أكد الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن التحركات الاستراتيجية المصرية في قطاع الطاقة بالتعاون مع قبرص واليونان أسهمت في تحويل مصر إلى مركز إقليمي محوري لاستقبال الغاز القبرصي ومعالجته وتسييله، إضافة إلى تعزيز دورها كحلقة وصل في منظومة الربط الكهربائي مع أوروبا.
وأوضح الدكتور القليوبي، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية لبني عسل ضمن برنامج «الحياة اليوم»، أن ترسيم الحدود البحرية بين مصر وكل من قبرص واليونان خلق إطاراً واضحاً للاستثمار والتنمية في شرق المتوسط، ما أتاح فرصاً أوسع لاكتشاف وتطوير حقول الغاز. ونتيجة لذلك، تتجه قبرص إلى الاعتماد على البنية التحتية المصرية القائمة في مجالات الاستقبال والإسالة، بما يخلق منفعة اقتصادية متبادلة بين الطرفين، ويعكس في الوقت نفسه دوراً داعماً لاحتياجات الاتحاد الأوروبي من الطاقة.
وأشار إلى أن الاتفاقيات الجارية بين شركتي «إيني» الإيطالية و«توتال» الفرنسية تستهدف تسريع استكمال أعمال الحفر للآبار التنموية بنهاية عام 2027، بالتوازي مع مشروعات ربط جديدة ترفع جاهزية منظومة الغاز المصرية. ومن أبرز هذه الخطوات إنشاء خط أنابيب بطول نحو 280 كيلومتراً لربط حقل «كرونوس»، بما يوفر لمصر قدرة مبدئية على استقبال ما يقارب نصف مليار قدم مكعب من الغاز يومياً بحلول الربع الأول من عام 2028، وهو ما يمثل دفعة قوية لرفع كفاءة منظومة الإمداد وضمان تدفق منتظم للغاز.
ولفت القليوبي إلى وجود توجه لمد خط يربط حقل «أفروديت» بمحطة الإسالة في إدكو، بسعة استيعابية تصل إلى مليار قدم مكعب يومياً، بما يعزز قدرات التسييل ويزيد المرونة أمام تقلبات الطلب. وأكد أن هذه المسارح والمشروعات لا تقتصر على جانب التصدير فقط، بل تحقق كذلك فوائد داخلية لمصر، من خلال استغلال الغاز محلياً عند الحاجة لتدعيم تشغيل قطاعات الطاقة والصناعة.
وبيّن أن مصر تستهدف تحقيق عوائد مالية مستدامة من خلال عمليات الإسالة، مع توسيع نطاق التصدير إلى أوروبا. وذكر أن حجم التصدير المتوقع وفق الخطط القائمة قد يصل إلى ما بين 1.4 و1.6 مليون طن سنوياً من الغاز المسال إلى أوروبا، بما يساهم في سد جزء من فجوة الإمدادات الناجمة عن تراجع الحصص الروسية في سوق الغاز العالمي.
وتطرق الدكتور جمال القليوبي إلى أن الشراكة لا تقف عند حدود «كرونوس» و«أفروديت»، بل توجد تفاهمات مستقبلية لتمكين استقبال غاز من حقول أخرى ذات قدرات كبيرة مثل «لوكوس» و«بيجاسوس». وتبرز أهمية هذه المرحلة في توجيه جزء من الغاز نحو التصنيع المحلي لإنتاج منتجات عالية القيمة مثل الأسمدة والكيماويات، عبر استثمار البنية التحتية المصرية، بما يساعد على رفع القيمة المضافة بدل الاعتماد على تصدير الغاز فقط.
كما شدد على أن التعاون يمتد أيضاً إلى الجانب اليوناني في مجالات الطاقة المتجددة، حيث يجري العمل على استثمارات أوروبية لإنتاج الطاقة النظيفة وتصدير الكهرباء إلى أوروبا. وتشمل هذه التوجهات تمديد كابل بحري للربط الكهربائي يصل طوله إلى 1312 كيلومتراً، وهو ما يعزز دمج مصر في منظومات الطاقة الإقليمية ويزيد فرص تحويلها إلى منصة للطاقة متعددة المصادر.
وخلاصة القول، يرى الدكتور جمال القليوبي أن الشراكة المصرية مع قبرص واليونان تمثل نموذجاً متكاملاً يجمع بين تأمين الإمدادات، وتوسيع قدرات البنية التحتية، وتحقيق عوائد مالية، ودعم التنمية الاقتصادية والصناعية، بما يجعل مصر لاعباً أساسياً في مشهد الطاقة بمنطقة شرق المتوسط وأوروبا.

التعليقات