التخطي إلى المحتوى

قال جيمس روبنز، عميد معهد السياسات الدولية، إن تحركات الإدارة الأمريكية تُشير إلى رغبة واضحة في إعادة صياغة طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو»، مع التأكيد أن ما يجري لا يعني بالضرورة تغييرًا في جوهر الحلف، بل يتركّز على تغيير طريقة عمله وآليات الشراكة داخله.

وأضاف روبنز، في حديثه مع الإعلامي كمال ماضي عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن الرئيس الأمريكي خلال ولايته الأولى كان يربط بين استمرار الشراكة داخل الحلف وبين توجّه أوسع لزيادة الإنفاق الدفاعي، وإعادة توزيع الأعباء، وإعادة تعريف أولوية المصالح المشتركة. ولفت إلى أن إعادة تموضع بعض القوات الأمريكية خارج أوروبا كان لها بالفعل أثر ملموس على الديناميات داخل «الناتو»، إذ رفعت الحاجة إلى تنسيق أوثق بين الحلفاء الأوروبيين، ودفعت إلى إعادة تقييم القدرات والجاهزية على الجبهات المختلفة.

وشدّد روبنز على أنه لا يرى ما يحدث بوصفه نهاية للحلف أو تحضيرًا واقعيًا للانسحاب منه، مبررًا ذلك بأن الرئيس لا يبدو مهتمًا بتفكيك «الناتو» بقدر ما يسعى إلى إعادة هندسة العلاقة معه. وأشار إلى أن التباينات السياسية داخل الحلف قائمة منذ سنوات، لكنها قد تتفاقم مع تغيّر أولويات واشنطن وتوقعات الحلفاء من الدعم الأمريكي. كما أضاف وجود موجة غضب لدى بعض الدول نتيجة ما تعتبره قصورًا في دعم الولايات المتحدة في ملفات مرتبطة بالحرب ضد إيران، وهو عامل يعقّد الثقة ويؤثر على مستوى التوافق السياسي.

وأوضح أن تصريحات دونالد ترامب بشأن الانسحاب من «الناتو» تُفهم غالبًا ضمن استراتيجية تفاوضية، لا بوصفها موقفًا نهائيًا أو قرارًا ثابتًا. فبرأي روبنز، الحلف لا يزال يحظى بدعم واسع داخل الولايات المتحدة، سواء على مستوى الكونجرس أو ضمن دوائر سياسية تؤيد استمرار دور «الناتو» كحجر أساس للأمن الأوروبي.

وأكد روبنز من زاوية إضافية أن ترامب، لو كانت نيته فعلاً الانسحاب من «الناتو»، لكان اتخذ هذه الخطوة خلال ولايته الأولى أو في أي مرحلة من مسيرته السياسية. واعتبر أن عدم إقدامه على الانسحاب يعزز قراءة أن التصريحات تُستخدم كرافعة ضغط لفرض شروط أو تحفيز للحلفاء على تحمل مسؤوليات أكبر.

وبين روبنز أن الرئيس الأمريكي يدرك الدور المحوري الذي يؤديه «الناتو» في تحقيق الردع داخل أوروبا، خاصة في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة المرتبطة بالعدوان الروسي. كما أشار إلى أن الحلف لا يقتصر أثره على الحدود الجغرافية لأوروبا فحسب، بل يمتلك مهام وقدرات يمكن توظيفها خارج حدود الحلف وفقًا لحسابات التهديدات والمصالح المشتركة.

وأضاف روبنز أن من بين أهداف ترامب المعلنة ضمنيًا جعل «الناتو» أكثر استقلالية عن الدعم الأمريكي، بحيث يتحول تحالفًا يعتمد عليه الحلفاء سياسيًا وقدراتيًا دون أن يكونون رهائن للدعم الأمريكي في كل مرحلة. واعتبر أن الانتقادات التي يوجهها ترامب للحلف تستهدف، في جوهرها، لفت الانتباه إلى اختلالات التمويل والأعباء، ودفع الحلفاء لرفع مساهماتهم وتحسين جاهزيتهم.

وبذلك، تتجه قراءة المشهد إلى أن «تهديدات الانسحاب» لا تُقرأ بمعزل عن سياق إعادة التوازن في العلاقات عبر أدوات تفاوضية، تُوازن بين الحفاظ على دور «الناتو» كمنظومة ردع، وبين ضغط سياسي وأمني لزيادة كفاءة التمويل وتوزيع المسؤوليات، وتطوير قدرة الحلف على العمل بفعالية حتى في الظروف التي تتراجع فيها المساحة المتاحة للدعم الأمريكي التقليدي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *