قال روبرت بيتشزيل، مسؤول سابق في الناتو، إن الحديث عن وجود منافسة بين دول الحلف في سوق السلاح هو حديث واقعي، لأن الأمر بطبيعته مرتبط بمبدأ العرض والطلب. فعندما يرتفع حجم الطلب—كما يحدث حاليًا نتيجة الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي لدى دول الناتو—تتصاعد المنافسة بين شركات التصنيع الدفاعي في محاولة لتأمين عقود جديدة وتوسيع خطوط الإنتاج. وأوضح بيتشزيل في مداخلة ببرنامج «ملف اليوم» على قناة القاهرة الإخبارية، أن الولايات المتحدة ليست اللاعب الوحيد في هذا المشهد، بل تتشارك الدول الأعضاء في ديناميكية السوق نفسها.
لكن وفقًا له، فإن التحدي الأساسي لا يتمثل في المنافسة بحد ذاتها، بل في قدرة الصناعة على تلبية الطلب المتزايد بسرعة كافية. فحجم إعادة التسلح الذي تشهده دول الحلف في ظل تداعيات الحرب واحتياجات التدريب والتشغيل وإمداد الجبهات، وضع ضغطًا استثنائيًا على سلاسل التوريد وعلى المصانع التي تحتاج وقتًا لتأمين المواد الخام وتوسيع خطوط التجميع والامتثال لمتطلبات الاختبار والاعتماد. وبعبارة أخرى، حتى عندما تتوفر رغبة في الشراء ووجود منافسة، قد تعجز القدرة الإنتاجية عن اللحاق بالوتيرة المطلوبة.
وأشار بيتشزيل إلى أن الخلافات ليست جديدة، إذ كثيرًا ما ظهرت نزاعات بين شركاء الحلف حتى على مستوى الدولة الواحدة، وتكررت أيضًا بين الدول الأعضاء حول الأولويات، وأساليب توزيع العقود، ومقاس مشاركة كل طرف في برامج مشتركة. فالأزمات التي شهدها الحلفاء عبر السنوات—سواء في آليات التعاون أو في تفسير بنود الاتفاقات—ترسم صورة متواصلة لخلافات سياسية وصناعية لا تختفي بمجرد الإعلان عن توجهات تعزز التعاون.
ومن أبرز جوانب هذه الإشكالات، ما يتعلق بالحصة الصناعية داخل البرامج الدفاعية المشتركة. فحين تُطرح مشاريع كبرى—مثل برامج أنظمة أو منصات أو طائرات—قد تختلف الدول حول نسبة المشاركة، وحدود مسؤوليات كل طرف، وطرق نقل التكنولوجيا، وحتى آليات التمويل. ومن الأمثلة التي ذكرها بيتشزيل وجود خلافات بين إسبانيا وألمانيا بشأن عدد من المشروعات الدفاعية، وكذلك خلافات مرتبطة ببعض برامج الطائرات بسبب عدم الاتفاق على حصص المشاركة.
ولفت إلى أن الصورة الأشمل تشير إلى وجود معضلة أكثر تعقيدًا، حيث تؤدي السياسة الأمريكية—بحسب توصيفه—إلى خلق ترتيبات قد ترفع كلفة التنسيق وتزيد من صعوبة تحقيق توازن عادل بين المنتجين والدول المستفيدة. وقد تظهر انعكاسات ذلك في شكل تباين في شروط العقود، وتفاوت في الأولويات بين البرامج، وارتباط بعض الأنظمة بسلاسل توريد وحماية تقنية لا تتاح للجميع بالقدر نفسه.
ولتعميق الفكرة، يمكن القول إن سوق السلاح داخل التحالف لا يعمل فقط كحلقة شراء وبيع، بل كمجموعة منظومات مترابطة: إنتاج المعدات، صيانة الأساطيل، التدريب، الذخائر، توافر المكونات الإلكترونية، المواد الحساسة، والقدرات اللوجستية. وعندما يتسارع الطلب بسرعة، تتأثر هذه المنظومات بالتفاوت في جاهزية المصانع، وبطء إعادة بناء المخزون، وازدواجية المتطلبات الفنية بين الدول. كذلك تلعب القيود التنظيمية والتمويل واللوائح المتعلقة بتصدير بعض التقنيات دورًا في إطالة زمن التسليم.
وفي النهاية، خلص بيتشزيل إلى أن المنافسة بين الشركات والدول قد تكون طبيعية عند ارتفاع الطلب، لكن المشكلة تكمن في فجوة الزمن بين احتياج الحلفاء وبين القدرة الصناعية على سد هذا الاحتياج، إضافة إلى الخلافات السياسية والصناعية حول من يشارك وماذا ينتج ومن يتولى أي جزء من سلسلة القيمة. ومع استمرار وتيرة إعادة التسلح، يبقى السؤال الأهم: كيف يمكن تقليص الفجوة بين خطط الشراء وخطوط الإنتاج، وكيفية تحويل الشراكات الصناعية من نزاعات نسب المشاركة إلى تعاون إنتاجي أكثر مرونة وفعالية.

التعليقات