أكد بشير عبد الفتاح، الباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أن الصين، بوصفها قوة عظمى تقترب أكثر من أي وقت مضى من لعب دور “قطب عالمي”، تسير في اتجاهين متلازمين: المنافسة والتعاون مع الولايات المتحدة، بحسب الملفات والمصالح المرتبطة بها. وأوضح في حديث مع الإعلامي همام مجاهد عبر قناة القاهرة الإخبارية أن مقومات التأثير التي تملكها الصين في السياسة الدولية تجعلها طرفًا قادرًا على التأثير في مسارات الأزمات، سواء عبر القنوات الدبلوماسية أو من خلال شبكة العلاقات الاقتصادية والاستراتيجية التي تربطها بعدد من الدول المحورية.
وأشار الباحث إلى أن الصين تتمتع بعوامل ترجّح كفّتها في الساحة الدولية، أبرزها أنها دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي بما يمنحها حق “الفيتو”، إضافة إلى كونها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، فضلًا عن توسّع شراكاتها الاستراتيجية مع دول مركزية حول العالم. ووفقًا للطرح، فإن هذا الوزن الاقتصادي والسياسي ينعكس على قدرتها في التعامل مع القضايا الإقليمية والدولية، خصوصًا تلك المرتبطة بموازين القوى والطاقة والاستقرار.
ومن جهة أخرى، شدد عبد الفتاح على أن مصر تمثل قوة إقليمية مهمة في المنطقة، وأن القاهرة تضطلع بدور وساطة مستمر في الأزمة الإيرانية. وبيّن أن مصر سعت بقوة—بفضل علاقاتها الوثيقة والمتوازنة مع كل من الولايات المتحدة وإيران—لمنع اندلاع الحرب، ثم واصلت جهودها بعد وقوع تطورات ميدانية من أجل وقف التصعيد وخفض التوترات وتهيئة مناخ يساعد على التفاوض.
ولفت إلى أن الوساطة المصرية لم تتوقف، وأن الصين كذلك تُظهر اهتمامًا متزايدًا بإنهاء الصراعات، بما يتسق مع مصالحها وعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران، وبالأخص في ظل ما تتمتع به طهران من حضور مؤثر في منطقة الشرق الأوسط. وأوضح الباحث أن الصين تعد أكبر مستورد للنفط الإيراني، وأن نحو 90% من النفط الإيراني يصل إلى الصين، الأمر الذي يجعل استقرار منطقة الخليج والشرق الأوسط مصلحة استراتيجية لبكين، ويزيد من جدية اهتمامها بتجنب أي مسارات تؤدي لاضطرابات تهدد إمدادات الطاقة.
وأكد عبد الفتاح أن جهود القاهرة وبكين تتلاقى من أجل الوصول إلى تسوية للأزمة الإيرانية، وأن البلدين يعتمدان مقاربة تقوم على استخدام الأدوات الدبلوماسية بدلًا من الخيار العسكري. وتستند هذه الرؤية إلى فكرة أن الأزمات الإقليمية لا يمكن احتواؤها بالتصعيد، بل عبر القنوات السياسية والاتفاقات وآليات الضبط والتهدئة التي تحد من مخاطر سوء التقدير.
وعند الحديث عن “المقاربة المصرية في التعامل مع الأزمة الإيرانية”، أوضح أن الصين تفضّل ترتيبات أمنية قائمة على التعاون واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وقال إن المبادئ ذاتها تنسجم إلى حد كبير مع توجهات القاهرة في هذا الملف، ما يعني وجود أرضية مشتركة تسمح بتعزيز التنسيق بين الطرفين.
وبالإضافة إلى ذلك، يمكن—وفقًا للمنطق السياسي الذي تعكسه هذه الرؤية—اعتبار أن نجاح أي تسوية يرتبط بقدرة الأطراف المعنية على بلورة خطوات عملية تدريجية تشمل تهدئة التوترات، وإعادة فتح مسارات الحوار، وتثبيت قنوات التواصل لتقليل احتمالات التصعيد، مع مراعاة مصالح الأمن الإقليمي والطاقة. كما أن التناغم بين الأبعاد السياسية المصرية والرافعة الاقتصادية الصينية يوفر مساحة أوسع لخلق حوافز للتوصل إلى اتفاقات مرحلية، بما يخدم استقرار المنطقة ويحد من كلفة المواجهات على الجميع.
وفي المحصلة، يتضح أن الصين، بما تملكه من أدوات نفوذ دولي واقتصادي، تتحرك في اتجاه تعزيز دورها في إدارة الأزمات، في حين تؤدي مصر—بحكم موقعها الإقليمي وعلاقاتها المتعددة—وظيفة الوسيط الذي يراكم خطوات تهدئة مستمرة. وتتقاطع جهودهما حول هدف واحد هو تقليل التصعيد وفتح الطريق أمام تسوية دبلوماسية للأزمة الإيرانية عبر التفاهم والاحتواء السياسي.

التعليقات