تستعد الدولة خلال المرحلة المقبلة لمجموعة ملفات اقتصادية وخدمية مترابطة تهدف إلى تحقيق توازن دقيق بين معدلات النمو المتوقعة واحتياجات المواطنين المتزايدة، وفي مقدمتها الزيادة السكانية، وما يرتبط بها من ضغط متزايد على قطاعات الخدمات وفرص العمل وتوفير الاحتياجات الأساسية. وتأتي هذه الملفات ضمن توجه عام يجمع بين تعزيز السياسات الاقتصادية، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتحسين كفاءة تقديم الخدمات، مع العمل المستمر للحد من التضخم وضمان استقرار الأسواق.
وفي هذا السياق، أكد الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، أن الزيادة السكانية تمثل تحديًا مستمرًا ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على تلبية الطلب المتصاعد على الخدمات، كما تزيد الحاجة إلى خلق فرص عمل تتناسب مع حجم قوة العمل الجديدة. وأشار إلى أن معالجة آثار الزيادة السكانية لا تقتصر على جانب واحد، بل تتطلب حزمة متكاملة تشمل تطوير منظومة الصحة والتعليم، والتوسع في البنية التحتية، وضمان جاهزية الموارد الأساسية لدعم المواطن.
وشدد بدرة خلال حديثه ضمن برنامج «تغطية خاصة» على أهمية استمرار توسيع فرص العمل، والتوسع في الخدمات الصحية من خلال زيادة الطاقة الاستيعابية للمستشفيات، بما يشمل توفير أعداد كافية من الأسرة، وتحسين كفاءة التشغيل وتقليل الاختناقات في تقديم الخدمة. كما رأى أن ضمان توافر السلع والخدمات الأساسية يمثل عاملًا حاسمًا لتخفيف العبء اليومي على المواطنين، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية التي تتطلب استجابة سريعة وفعّالة.
كما ركّز الخبير الاقتصادي على ضرورة أن تراعي الحكومة أسلوب عرض ما يتم إنجازه. فمن وجهة نظره، فإن تبسيط الإنجازات للمواطنين عبر شرح أثر المشروعات على حياتهم اليومية يعد عنصرًا مهمًا لتعزيز الثقة والوعي العام. فبدلًا من الاكتفاء بالأرقام والمؤشرات التي قد يصعب على غير المتخصص تفسيرها، يصبح توضيح «ماذا ستغير هذه المشروعات؟» و«كيف ستنعكس على الخدمات والأسعار والفرص؟» ضروريًا لزيادة فهم الجمهور للمسار الاقتصادي الجاري تنفيذه.
وفيما يتعلق بملفات على طاولة الحكومة، أشار بدرة إلى أن هناك توجيهات من الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة توضيح رؤية الدولة في المرحلة المقبلة بعد تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي. وتضمنت هذه الملفات توضيح توجهات الدولة الاقتصادية أمام المواطنين، بما يساهم في تعريفهم بالفرص المتاحة، ويعزز قدرة المستثمرين على فهم اتجاهات السياسات العامة.
ومن أبرز الملفات التي جرى التركيز عليها أيضًا فرص الاستثمار والسياسات النقدية ودور القطاع الخاص في قطاعات متعددة، وعلى رأسها الأنشطة السياحية والشاطئية. ويهدف هذا التوجه إلى خلق مساحة أوسع لمساهمة القطاع الخاص في تنفيذ مشروعات وخدمات تسهم في دعم الاقتصاد، وتحسين بيئة الاستثمار، ورفع كفاءة استخدام الموارد، بما يؤدي إلى نتائج ملموسة على مستوى فرص العمل والخدمات المرتبطة بسلاسل القيمة.
وفي جانب الأسعار، أكد بدرة وجود توجه لزيادة المعروض من السلع التموينية بالتوازي مع تعزيز التفاهمات بين الحكومة والقطاع الخاص. ويرتبط هذا التوجه بخفض مستويات الأسعار قدر الإمكان عبر تحسين القدرة على توفير السلع في السوق وتقليل أي فجوات بين العرض والطلب. كما أن رفع المعروض مع وجود تعاون فعّال بين الجهات المعنية يمكن أن يسهم في تعزيز القوة الشرائية للمواطنين، خصوصًا بالتزامن مع استمرار العمل على الحد من معدلات التضخم.
وخلص الخبير الاقتصادي إلى أن الهدف النهائي من هذه الإجراءات هو إتاحة قدر معقول من التحسن النسبي في قدرة المواطن على شراء احتياجاته اليومية، مع مواصلة جهود الدولة لتحقيق مزيد من الاستقرار في الأسواق والحد من التقلبات التي قد تؤثر على مستوى المعيشة. وتظل الأولوية في هذا المسار قائمة على الاستمرار في تنفيذ السياسات الاقتصادية المصاحبة للإصلاح، وتطوير الخدمات، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتحويل خطط الدولة إلى نتائج واضحة يمكن للمواطن الشعور بها والاطلاع على أثرها بشكل مباشر.

التعليقات