تؤكد الرؤية المصرية تجاه أفريقيا أن التعامل مع تحديات القارة لا يقتصر على المواقف السياسية، بل يرتكز على مقاربة شاملة تجعل التنمية مدخلًا رئيسيًا لخفض أسباب الأزمات ودعم الاستقرار طويل الأمد. وفي هذا السياق، أوضح الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، أن مصر تعمل خلال السنوات الأخيرة على توسيع حضورها داخل القارة من خلال طرح أولويات الشعوب الأفريقية على أجندة المحافل الإقليمية والدولية، وبلورة حلول تراعي احتياجات التنمية والعدالة في توزيع الفرص والموارد.
يرى الدكتور قرني أن الخطاب المصري، على المستويين الرئاسي والحكومي، يمنح ملفات التنمية أولوية متقدمة، لأن الأزمات الأمنية والسياسية والتغيرات المناخية تتشابك بصورة مباشرة مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ومن ثمّ فإن مواجهة هذه الأزمات تتطلب سياسات تنموية تعالج الجذور بدل الاكتفاء بمعالجة النتائج، عبر دعم البنية الأساسية، وتحسين فرص العمل، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية، بما يحد من عوامل الهشاشة التي قد تغذي النزاعات.
ويشير الخبير إلى أن مصر تسعى إلى جعل احتياجات القارة في صدارة النقاش مع الدول المانحة والمؤسسات الدولية، بهدف جذب التمويل المخصص للمشروعات التي تمثل أولوية فعلية لدى المجتمعات الأفريقية. كما تؤكد المقاربة المصرية أهمية أن تكون الأولويات واضحة، وأن تُترجم التعهدات إلى برامج قابلة للتنفيذ عبر آليات مؤسسية وشراكات فعالة.
وتبرز مشكلة التمويل كأحد أكبر التحديات أمام مسار التنمية في أفريقيا، خاصة أن تنفيذ مشروعات البنية التحتية الكبرى—مثل مشاريع الطاقة والنقل والطرق—يتطلب موارد مالية ضخمة وفترات زمنية طويلة. ويؤكد الدكتور قرني أن مؤسسات التمويل الدولية مطالبة بأخذ خصوصية الاقتصادات الأفريقية في الاعتبار عند وضع شروط التمويل، مع اعتماد صيغ أكثر مرونة تساعد على تسريع تنفيذ المشروعات ذات الأولوية.
وفي هذا الإطار، يشدد على أن حلول أزمة التمويل لا تعني الاعتماد على المساعدات الخارجية فقط، بل تستلزم بناء شراكات اقتصادية تجمع بين الحكومات والقطاع الخاص الأفريقي والمؤسسات الدولية. وتساعد هذه الشراكات على تحويل الاحتياجات التنموية إلى مشروعات بنماذج تمويل مستدامة، بما يضمن استمرارها بعد انتهاء مراحل التجهيز أو التمويل الأولي.
وعلى مستوى إدارة الأزمات، يدعو الدكتور قرني إلى ترسيخ مبدأ «الحلول الأفريقية للأزمات الأفريقية»، بما يضمن أن تكون دول القارة طرفًا أساسيًا في صياغة الحلول المتعلقة بقضاياها السياسية والأمنية والتنموية. وترى مصر أن هذا النهج لا يكتمل دون تقوية المؤسسات الأفريقية وتعزيز قدرات الكوادر القادرة على إدارة الأزمات وصياغة سياسات تتوافق مع طبيعة المجتمعات واحتياجاتها.
ومن ضمن الملامح العملية للتوجه المصري، تتجه مصر إلى دعم جهود إعادة الإعمار بعد انتهاء النزاعات كخطوة محورية لمنع عودة الأزمات وترسيخ الاستقرار. ويشير الدكتور قرني إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يدعم ملفات إعادة الإعمار والتنمية في الإطار الأفريقي، ليس فقط عبر طرح الرؤى، بل أيضًا عبر العمل على توفير آليات ومؤسسات تساعد على تحويل هذه الرؤى إلى خطوات قابلة للقياس.
وفي هذا السياق، لفت إلى استضافة القاهرة مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية «CPCRD»، معتبرًا إياه أداة مؤسسية مهمة لمساندة الدول الخارجة من الصراعات على استعادة الاستقرار وإطلاق مسارات التنمية. ويؤكد الدكتور قرني أن مرحلة ما بعد النزاع تحتاج إلى معالجة متزامنة لعدة ملفات، مثل إعادة بناء المؤسسات، وإصلاح أوضاع المجتمعات، ودعم الاقتصاد، وضمان توفير الخدمات الأساسية، فضلًا عن معالجة الأسباب التي أدت إلى اندلاع الصراع من الأساس.
كما يوضح أن إعادة الإعمار لا ينبغي أن تقتصر على تشييد المنشآت، بل يجب أن تشمل الاستثمار في الإنسان والمؤسسات لضمان استدامة الاستقرار على المدى الطويل، من خلال برامج التعليم والتأهيل المهني وخطط دعم العودة الآمنة للحياة الطبيعية، وتفعيل دور المجتمع في المصالحة ومنع تكرار العنف.
ومن جهة تعزيز الحوار وتبادل الخبرات، أشار إلى دور منتدى أسوان للسلام والتنمية المستدامة كمنصة للحوار الأفريقي والدولي. ويُسهم المنتدى—بحسب الدكتور قرني—في جمع صناع القرار والخبراء والمفكرين والشركاء الدوليين لبحث تحديات القارة وطرح رؤى عملية يمكن توظيفها في ملفات الأمن والتنمية والسلام.
ويأتي أيضًا ضمن جهود بناء الاستقرار التركيز على تدريب وتأهيل كوادر أفريقية. فقد أشار الدكتور قرني إلى أهمية المراكز والمؤسسات المصرية المعنية بالسلم والأمن وإدارة النزاعات، والتي تستهدف المساهمة في إعداد وتأهيل كوادر قادرة على التعامل مع قضايا السلم والأمن وإدارة الأزمات. ويرى أن الاستثمار في العنصر البشري يمثل جزءًا أساسيًا من الرؤية المصرية، لأن بناء القدرات الوطنية يمنح الدول الأفريقية أدواتها اللازمة لتطوير حلول مستدامة بدلًا من الاقتصار على حلول مؤقتة.
وفي ختام حديثه، شدد الدكتور رمضان قرني على أن التحرك المصري في أفريقيا يرتكز على رؤية تجمع بين الأمن والاستقرار والتنمية، باعتبار أن هذه الملفات مترابطة ولا يمكن فصل أحدها عن الآخر. فدعم الدول الأفريقية في مواجهة الصراعات، وتوفير فرص التنمية، وتعزيز قدرات المؤسسات والكوادر الوطنية، كلها عناصر تتكامل ضمن مسارات تهدف إلى تحقيق استقرار طويل الأمد.
كما أكد أن استمرار مصر في طرح قضايا أفريقيا في المحافل الدولية وتقديم خبراتها ومؤسساتها في مجالات السلم والأمن وإعادة الإعمار يعكس توجهًا نحو شراكة أفريقية أكثر فاعلية، تقوم على المصالح المشتركة والحلول القابلة للاستدامة وتحقيق أثر ملموس على حياة الشعوب.

التعليقات