حذّر الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي، من تداعيات ظاهرة «النينيو» على معدلات الأمطار في القرن الأفريقي، بما قد ينعكس مباشرة على روافد نهر النيل، وعلى رأسها النيل الأزرق القادم من الهضبة الإثيوبية. وأوضح أن أي تراجع في الأمطار على الهضبة الإثيوبية قد يؤدي إلى انخفاض كميات المياه التي تغذي النيل الأزرق، وهو ما قد ينعكس لاحقًا على حجم المياه الواردة إلى كل من مصر والسودان، مع ما يرتبط بذلك من آثار على قطاعات الشرب والزراعة والطاقة.
وشدد نور الدين على أن مواجهة سنوات الجفاف والشدّة المائية لا ينبغي أن تُدار بمنطق رد الفعل، بل وفق سياسات تشغيل واضحة تستند إلى التوقعات المناخية ودراسة السيناريوهات. ولفت إلى أن سنوات الجفاف قد تتطلب خفض معدلات التخزين في سد النهضة للحفاظ على المياه، مؤكدًا أن ضمان إتاحة المياه اللازمة لاحتياجات البشر يجب أن يظل أولوية قصوى، بما يعني تفضيل الاستخدامات الحيوية على إنتاج الكهرباء في فترات الشح.
وأبرز الخبير أن قواعد التعامل مع فترات الشح المائي يجب أن تكون محددة ومعلنة قبل وقوع الأزمات، لأن «السنوات العجاف» لا تأتي بالضرورة بشكل متتالٍ، بل قد تتكرر على فترات زمنية متباعدة. لذلك، من الضروري وضع أطر تشغيل مرنة تسمح بإدارة الموارد المائية على المدى القصير والمتوسط، دون تعريض الأمن المائي للخطر.
ومن أجل تعزيز قدرة الدول المتشاطئة على التكيف، يمكن دعم هذه القواعد بعدة عناصر عملية، مثل:
– الاعتماد على أنظمة إنذار مبكر مرتبطة بالتوقعات المناخية الإقليمية والدراسات الهيدرولوجية، لتقدير حجم الأمطار والسيول قبل موسمها.
– وضع جداول تشغيل للسد تتضمن مستويات تخزين مستهدفة وفق درجات الشح (خفيف/متوسط/حاد)، بما يضمن توزيعًا عادلًا للمياه ويقلل التقلبات المفاجئة.
– مراجعة خطط الري والزراعة لمواجهة الانخفاضات المتوقعة في الإمدادات عبر تحسين كفاءة استخدام المياه وتعديل مواعيد الزراعة في الفترات الحرجة.
– تعزيز التعاون الفني وتبادل البيانات الهيدرولوجية والقياسات (الأمطار، مناسيب الأنهار، معدلات الجريان) لضمان دقة التقديرات وتوحيد الرؤية بين الأطراف.
وفي ضوء ذلك، يرى نور الدين أن الأولوية ليست في الكهرباء وحدها خلال كل الظروف، بل في ضمان استقرار وصول المياه للمجتمعات والأنشطة الاقتصادية الأساسية، لأن أي خلل في توفر المياه قد يترتب عليه ضغط كبير على منظومات الشرب والزراعة، فضلاً عن تأثيرات محتملة على الاستقرار الغذائي والاقتصادي.
وتأتي هذه التحذيرات في سياق الاهتمام المتزايد بدور التقلبات المناخية العالمية وتأثيرها على موارد المياه العابرة للحدود، حيث يمكن لظواهر مثل «النينيو» أن تغيّر نمط الأمطار وتوقيت المواسم، مما يستدعي سياسات تشغيل مرنة وتنسيقًا مؤسسيًا قويًا بين الدول لتقليل آثار الشح المائي عند الحاجة.

التعليقات