مع الانتشار الكبير لمحتوى العلاقات والحياة الزوجية عبر منصات التواصل الاجتماعي، صار من السهل أن يتأثر كثيرون بتصورات تبدو “مثالية” عن الزواج وطريقة اختيار الشريك. لكن هذه الصور، غالبًا ما تكون مبنية على لقطات منتقاة ومرشحة (مفلترة) لا تعكس الصورة الكاملة لواقع الحياة الزوجية، ما قد يخلق فجوة واضحة بعد الارتباط.
توضح الدكتورة سارة مراد، مدرس الإعلام بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن الاعتماد على معايير غير واقعية في اختيار شريك الحياة قد يتحول إلى مصدر صدمة بعد الزواج. فبدلًا من تقييم الشخص وفق احتياجات حقيقية وتوافق واقعي، قد ينشغل البعض بصورة ذهنية تشكلت تدريجيًا نتيجة التعرض المستمر لمحتوى السوشيال ميديا.
## اختيارات تُبنى على مثال مثالي غير مرتبط بالواقع
تشير مراد إلى أن بعض الأشخاص يكتشفون بعد الارتباط أنهم لم يختاروا شريك حياتهم بناءً على شخصيتهما وظروفهما وقيمهما المشتركة، بل بناءً على “صورة مثالية” تكونت لديهم من كثرة مشاهدة محتوى يميل إلى تجميل العلاقة وإبراز لحظات النجاح فقط.
وتؤدي هذه الفجوة إلى أن يضع الطرفان معايير لا تتوافق مع طبيعة شخصياتهما أو تحديات الحياة اليومية، فيظهر سؤال متكرر بعد الزواج: هل هذا هو الشخص الذي كنت أبحث عنه فعلًا؟ هنا لا يكون المشكل بالضرورة في الشريك نفسه، بل في طريقة تكوين التوقعات قبل الزواج.
## المقارنات المستمرة تُضعف الرضا وتزيد التوتر
من جهة أخرى، تبرز مشكلة المقارنة بين الحياة الزوجية الواقعية وما يُعرض على مواقع التواصل. فالمتابع يرى صورة مُختارة: تهنئات، إنجازات، لحظات رومانسية، و”حلول” جاهزة لمواقف كثيرة، بينما يغيب غالبًا عن المشهد الجزء اليومي: الخلافات، التفاهمات المتدرجة، آثار الإرهاق والظروف الاقتصادية، وحتى طريقة إدارة الاختلاف.
وبحسب مراد، قد تقود المقارنات المتواصلة إلى شعور بعدم الرضا، وتقليل القدرة على رؤية الجوانب الإيجابية في العلاقة أو تقدير جهود الطرف الآخر، ما يرفع منسوب التوتر ويزيد احتمالات تراكم المشكلات.
## مصطلحات تنتشر… لكن تُستخدم أحيانًا بشكل غير دقيق
تحذر مراد من إساءة استخدام بعض المصطلحات الشائعة عبر السوشيال ميديا، وعلى رأسها مفهوم “العلاقات السامة”. فبعض الخلافات الطبيعية بين الزوجين قد تُوصَف أحيانًا على أنها مؤذية دون فهم سياقها أو طبيعتها أو أسبابها، خصوصًا عندما تصدر التفسيرات عن غير متخصصين.
ومن المهم التفريق بين الخلافات السوية التي تستدعي الحوار والاتفاق، وبين السلوكيات التي تحمل إيذاءً فعليًا أو تلاعبًا أو تهديدًا أو عنفًا. التسمية وحدها لا تكفي؛ التشخيص يحتاج إلى وعي وفهم ومعرفة.
## المساحة الشخصية ليست دائمًا “صمتًا عقابيًا”
كما تلفت مراد إلى أن بعض السلوكيات داخل العلاقات قد تُفسر بصورة خاطئة بسبب تأثير المحتوى الرقمي. فعلى سبيل المثال، قد يحتاج أحد الطرفين إلى مساحة شخصية لأسباب نفسية أو تنظيمية أو راحة ذهنية، لكن بعض المتابعين قد يفسرون ذلك على أنه “صمت عقابي” أو “تجاهل”.
وعندما يحدث هذا التضخيم للموقف، تتحول رسالة بريئة إلى مشكلة أكبر، وتُستبدل نية الفهم بالحكم السريع، ما يفاقم الخلاف بدلًا من معالجته بشكل هادئ ومباشر.
## كيف نحمي العلاقة من تأثير المحتوى غير المكتمل؟
ترى الدكتورة سارة مراد أن الوعي بطبيعة العلاقات الإنسانية، والتمييز بين الخلاف الطبيعي والعلاقة المؤذية، يمثلان ركيزتين أساسيتين للحفاظ على استقرار الحياة الزوجية.
وتؤكد ضرورة عدم جعل المحتوى المنتشر عبر السوشيال ميديا معيارًا للحياة الزوجية، خصوصًا أن كثيرًا من المشاركات يقدم جوانب مبسطة أو غير مكتملة، أو يركز على “النتيجة” دون إظهار مراحل التفاوض والتعلم والتعامل مع الصعوبات.
ولأن السوشيال ميديا أصبحت مصدرًا مهمًا للمعلومات والتجارب، فمن الضروري التعامل معها بوعي: اختيار المحتوى التوعوي المتخصص الذي يعتمد على فهم نفسي واجتماعي، ومقارنة الرؤى الشخصية المتداولة التي قد تحمل مبالغة أو تعميمًا.
كما أن من وسائل حماية التوقعات:
– فهم أن الزواج ليس “مشهدًا” دائمًا بل مشروع تفاهم يتطور.
– سؤال الذات قبل الارتباط: ما الذي نحتاجه فعليًا في الشريك؟ وما حدودنا واحتياجاتنا الشخصية؟
– تحويل أي اختلاف إلى حوار واقعي بدلًا من تفسيره عبر مقاطع قصيرة.
في النهاية، ليست المشكلة في السوشيال ميديا نفسها، بل في تحويلها إلى مرجع جاهز للحياة الزوجية. كلما كانت التوقعات مبنية على الواقع، زادت فرص التوافق، وانخفضت احتمالات الصدمة بعد الارتباط.

التعليقات