نظمت مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث مساء الإثنين 17 أغسطس 2026 محاضرة أثرية وثقافية متخصصة بعنوان «مصر أرض السلام: قراءة أثرية في فجر المسيحية»، قدمتها الدكتورة هند صلاح الدين، أستاذ الآثار والفنون القبطية المساعد بكلية الآثار جامعة القاهرة.
جاءت الفعالية ضمن مسار المؤسسة التنويري الذي يهدف إلى تعزيز الوعي الأثري والمعرفي عبر مختلف الفترات التاريخية التي مرت بها مصر، مع تسليط الضوء على قيم التسامح والسلام والتنوع الثقافي التي تجسدها أرض مصر عبر العصور. واعتبرت المحاضرة أن التراث القبطي يشكل جزءاً أصيلاً ومحورياً من الهوية الوطنية المصرية، وأن نشر المعرفة العلمية به يبرز الدور الحضاري والإنساني لمصر بوصفها مهدًا للتعايش السلمي بين شعوب وثقافات وأديان متعددة.
أكد علي أبو دشيش، مدير مؤسسة زاهي حواس للآثار والتراث، أن المحاضرة تأتي في إطار استراتيجية المؤسسة لتعميق الفهم المتخصص للفنون والآثار القبطية، وربطها بالسياق التاريخي والاجتماعي والثقافي الذي مهّد لانتشار المسيحية في مصر. وأوضح أن دراسة شواهد هذه المرحلة لا تقتصر على الجانب الفني أو الجمالي، بل تمتد لتشمل فهم تطور المجتمع والمؤسسات الدينية وطرائق التعبير الرمزي التي ظهرت في العمارة والزخرفة والنقوش.
وقد استعرضت المحاضرة أربعة محاور رئيسية قدمت قراءة شاملة لبدايات المسيحية في مصر وتطور آثارها:
أولاً: مصر في القرن الأول الميلادي
ناقشت المحاضرة الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية في مصر قبيل دخول المسيحية، وكيف ساهمت طبيعة المجتمع المصري وشبكات التواصل والتفاعل الثقافي بين المدن والأقاليم في تهيئة بيئة قابلة لاستقبال أفكار دينية جديدة.
ثانياً: المسار الأثري للعائلة المقدسة في مصر
تطرقت المحاضرة إلى تتبع الشواهد والمواقع الأثرية والمرجعية التاريخية المرتبطة برحلة العائلة المقدسة عبر عدد من المحافظات المصرية، مع إبراز قيمة هذه المواقع بوصفها ذاكرة دينية وثقافية حية، ومجالاً خصباً للبحث في التداخل بين الروايات الدينية والقراءات الأثرية.
ثالثاً: نشأة المسيحية والآثار المسيحية المبكرة
قدمت الدكتورة هند صلاح الدين تصوراً علمياً لنشأة المسيحية في مصر والملامح الأولى للآثار المسيحية، مع التأكيد على الدور الذي لعبته مصر في نشر المسيحية، من خلال مراكز المعرفة والتبادل الفكري والديني الذي ساعد على ترسخ حضورها تدريجياً.
رابعاً: مصر أول مركز للرهبنة في العالم
سلطت المحاضرة الضوء على نشأة حركة الرهبنة المصرية وتأثيرها الممتد عالمياً، حيث تحولت الأديرة إلى مدارس فكرية وروحية أسهمت في تطوير نمط حياة ديني منظّم، ونقل خبرات روحية وثقافية عبر فترات زمنية طويلة، لتصبح الرهبنة المصرية نموذجاً تاريخياً مؤثراً.
كما تناولت المحاضرة جوانب إثرائية مرتبطة بالتراث القبطي مثل تطور الفنون التعبيرية في الأعمال الفنية والرموز الزخرفية، ودور العمارة الكنسية في تجسيد المعتقدات، وأهمية النقوش والكتابات المسيحية المبكرة بوصفها مصدراً تاريخياً يكمّل ما تحمله الشواهد المادية من دلالات.
يُذكر أن الدكتورة هند صلاح الدين تُعد قامة أكاديمية وبحثية بارزة؛ إذ تشغل منصب أستاذ الآثار والفنون القبطية المساعد بكلية الآثار جامعة القاهرة. وقد صُنفت دولياً في المرتبة (24) وفقاً لقاعدة بيانات SCOPUS ضمن أفضل 500 كاتب أكاديمي على مستوى العالم في مجال الآثار المسيحية خلال الفترة من 2018 إلى 2022، وذلك في المجلة العلمية الأكاديمية Scrinium المصنفة ضمن الفئة الأولى (Q1).
وشاركت الدكتورة هند في عدد من المؤتمرات العلمية الدولية داخل مصر وخارجها، ودُعيت لإلقاء محاضرات علمية في عدة دول. كما قدمت تعاوناً أكاديمياً دولياً عبر مشاركتها كأستاذ مشارك للتدريس في دولة المجر، إلى جانب إسهاماتها في تقديم محاضرات بالمراكز الثقافية المختلفة وكتابة مقالات تعريفية بالآثار والتراث بما يعزز فهم الهوية الحضارية والتاريخية لمصر.
وتؤكد هذه المحاضرة أن قراءة تاريخ فجر المسيحية في مصر ليست سرداً تاريخياً فقط، بل رحلة معرفية تستند إلى الأدلة الأثرية وتمنح الحاضر فرصة لفهم أعمق لمعاني السلام والتعايش التي تجسدها مصر عبر العصور.

التعليقات