تحدث الدكتور عبد الرحيم ريحان، خبير الآثار ومدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، عن القفزة الكبيرة التي شهدها قطاع المساجد في مصر منذ عام 2014، مؤكدًا أن الدولة قامت بحصر عدد كبير من المساجد ضمن خطط متكاملة شملت الترميم والإحلال والتجديد، وصولًا إلى نحو 14 ألف مسجد بتكلفة إجمالية بلغت 15 مليار جنيه.
وأوضح ريحان خلال حديثه في برنامج «الحياة اليوم» على قناة «الحياة»، أن تلك الجهود تأتي في إطار تنفيذ توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي تستهدف الاهتمام بدور العبادة وتطويرها بما يليق بمكانة مصر التاريخية والدينية، وبما يعكس تطلع الدولة لتعزيز البنية التحتية للمرافق الدينية والخدمية المرتبطة بها.
وأضاف الخبير أن الاهتمام بالمساجد لا يقتصر على كونها مساحات للصلاة فقط، بل تمثل جزءًا من الوجدان والهوية المجتمعية؛ إذ يرتبط المسجد في الوعي المصري بالذاكرة الشعبية والروح العامة، ويؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ قيم التكافل والتعايش، بما يسهم في تحقيق السلام الاجتماعي وتقوية الروابط بين أفراد المجتمع.
وأكد ريحان أن المسجد يُعد حلقة أساسية ضمن الهوية المصرية، وأن الحفاظ عليه يعد حفاظًا على كيان الدولة وتماسكها، لافتًا إلى أن الحضارة المصرية القديمة والحديثة اعتمدت في جوهرها على منظومة فكرية ودينية وأخلاقية متوارثة، ما يجعل صون المساجد والاهتمام بها جزءًا من صون التراث الحضاري.
وفي السياق الأثري والاتجاهات السياحية، أشار إلى أن تطوير المساجد الأثرية، وبخاصة مسار «آل البيت»، أسهم في جذب أعداد معتبرة من الزوار من الدول العربية والإسلامية، لما يحمله هذا المسار من قيمة دينية وثقافية، وما يتيحه من فرص للاطلاع على التاريخ الإنساني والرمزي لمصر.
كما شدد ريحان على أهمية إحياء «طريق الحج المصري القديم» عبر سيناء، وهو الطريق الذي كان يجمع حجاج العالم من أفريقيا والمغرب العربي والأندلس، مؤكدًا أن مصر تعمل وفق رؤية شاملة لإحياء «السياحة الروحية» التي تجمع بين العبادة والمعرفة التاريخية وتجارب الزائرين.
وبالتوازي، أوضح أن هذه الرؤية لا تقف عند مسارات الحج فقط، بل تشمل كذلك مشروع «التجلي الأعظم» بسانت كاترين، ومسار «العائلة المقدسة»، بما يعزز الروابط الثقافية والتاريخية مع العالم، ويُسهم في تقديم مصر كوجهة تجمع بين العمق الحضاري والتنوع الديني وثراء التراث.
وأشار الخبير إلى أن استدامة هذا المسار تتطلب توثيقًا مستمرًا للحالة المعمارية والتراثية، وتطوير عناصر الزائر والخدمات المرتبطة بالمواقع الدينية، بما يضمن جودة التجربة ويُحافظ على القيمة التاريخية للمساجد والممرات التراثية، ويعزز دورها في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وانفتاحًا على القيم المشتركة.

التعليقات