أكد عمرو أحمد، الباحث في الشؤون الإيرانية، أن تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التي شدد فيها على أن طهران تواجه تحديات داخلية متعددة ولا تمتلك خلافات واسعة مع مكوّنات الداخل، تأتي في سياق ردّ مباشر على موجة انتقادات تتصدر الإعلام الإيراني. ولفت إلى أن بعض هذه الانتقادات وصل إلى حدّ المطالبة بإقالة حكومة بزشكيان، بل والتمدد إلى المطالبة بإقالة عدد من الوزراء، وهو ما يجعل خطاب الرئيس محاولة لاحتواء الاحتقان وتثبيت رواية “التوافق الداخلي” أمام الرأي العام.
وأوضح أحمد، في مداخلة مع الإعلامي هشام عبدالتواب عبر قناة “إكسترا نيوز”، أن المنتقدين يعتقدون أن حكومة بزشكيان لم تقدّم إنجازات ملموسة، وأنها اتجهت إلى مسار المفاوضات والجلوس مع الولايات المتحدة دون أن تحصد مكاسب فعلية. ويمتد هذا الاعتراض—وفق ما نقل الباحث—إلى التشكيك في نتائج اتفاقية البنود الـ14، باعتبارها لم تُترجم إلى مكاسب استراتيجية أو اقتصادية يمكن للمواطن ملاحظتها على أرض الواقع.
ومن هنا، يرى أحمد أن رد بزشكيان لا يقتصر على الدفاع السياسي، بل يتضمن رسالة توازن بين الداخل والخارج. وقال إن الرئيس الإيراني أصرّ على نقطة محورية مفادها أن إيران لا تعاني من “خلافات داخلية” بمعنى واسع، ما يمكن أن يفهم منه—بحسب القراءة التحليلية—وجود إسقاط أو تلميح للأوساط التي تبرز فيها أصوات ناقدة لمسار الحكومة، سواء ضمن الحرس الثوري أو الجيش، حيث تتكرر انتقادات تتناول التوجهات السياسية والقدرة على تحقيق مكاسب من المفاوضات.
كما أشار الباحث إلى أن بزشكيان يسعى إلى مواصلة السير في خط تفاوضي محسوب، في حين ترفض تيارات متشددة داخل إيران هذا السياق. وترى هذه التيارات—وفق الطرح—أن “القوة” الحقيقية لإيران تتمثل في الحشد الداخلي والقدرة على الصمود والتصدي لأي مواجهة مستقبلية مع الولايات المتحدة. وبذلك تتحول القضية من مجرد تفاوض مع واشنطن إلى اختبار داخلي على طبيعة الاستراتيجية: هل هي استراتيجية تفاوض للحصول على مكاسب، أم استراتيجية ردع تقوم على رفض المساومات وتغليب منطق القوة؟
ولتعزيز موقفها في مسار المفاوضات، بيّن أحمد أن إيران قد تراهن على عاملين متداخلين: الأول انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، والثاني عامل الوقت. وأوضح أن طهران تنظر إلى أن الوقت ليس في صالح الرئيس الأمريكي، وأن اقتراب مواعيد سياسية داخل واشنطن قد يفرض حسابات جديدة على الإدارة. ومن هذا المنطلق، ترجّح إيران أن التوجه نحو إغلاق مسارات أو تضييق مساحات الحركة سيظل مفضّلًا، مقابل التشبث الإيراني بفكرة عدم العودة إلى المفاوضات بالشكل نفسه.
وأضاف أن إيران قد ترى في “معادلة الوقت” فرصة لزيادة هامش المناورة، بحيث تستطيع انتظار تطورات الانتخابات الأمريكية وتغيّر المواقف السياسية داخل الولايات المتحدة. وبحسب هذا التصور، فإن تشدد إيران في عدم الرجوع إلى مسار تفاوضي قد يُنظر إليه كخطوة ضغط تمنحها أفضلية تفاوضية مستقبلية.
وبالنتيجة، يتقاطع في هذه اللحظة محوران: محور داخلي مرتبط بتداعيات الانتقادات الاقتصادية والسياسية وضرورة إدارة الصراع بين التيارات داخل النظام، ومحور خارجي يتعلق بإيقاع التفاوض مع واشنطن وتقدير إيران لمصلحة استمرار الجمود أو تبعاته. وفي الحالتين، تبدو تصريحات بزشكيان محاولة لإعادة توجيه النقاش نحو “الاستقرار الداخلي” وتقديم مسار تفاوضي على أنه خيار عقلاني، مع وضع الرهان—في الوقت ذاته—على تغيرات السياسة الأمريكية وعامل الزمن.

التعليقات