أكد الكاتب الصحفي جمال رائف، الباحث والمحلل السياسي، أن التجربة المصرية في مواجهة الفكر المتطرف—وبشكل خاص جماعة الإخوان الإرهابية—أحدثت تحولاً عميقاً في حضور هذا التيار على المستويين الإقليمي والدولي، عبر إنهاء فعاليته التنظيمية وتراجع نفوذه تحت ضغط متصاعد من الداخل والخارج.
وأوضح رائف خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية هبة جلال في برنامج «مساء جديد» على قناة «المحور»، أن ما يجري داخل التنظيم الدولي للإخوان لا يقتصر على الانقسام الداخلي فقط، بل يمتد إلى حالة من الشتات والتفتت التي أصابت بنيته خلال الفترة الأخيرة. وفي الوقت نفسه، بدأت برلمانات عدة دول في اتخاذ إجراءات وقرارات أكثر صرامة تجاه التنظيم، وهو ما يعكس—وفقاً لرائف—تغيراً ملموساً في زاوية نظر المجتمع الدولي تجاه خطر جماعة الإخوان المتطرفة، بما يتجاوز السرديات القديمة إلى تقييم أكثر واقعية لمخاطر العنف والتجنيد والتلاعب بالمنابر السياسية والدينية.
وأشار الكاتب إلى أن نجاح التجربة المصرية لم يكن وليد الصدفة أو تحركات متفرقة، بل جاء نتاج رؤية متكاملة ارتبطت بتحولات سياسية وأمنية كبرى أعقبت ثورة 30 يونيو. ولفت إلى أن هذه الرؤية تجسدت من خلال مسار متعدد المسارات، يجمع بين حسم أمني وعسكري ضد العناصر التكفيرية، ومواجهة فكرية وإعلامية، ودفع مسار تنموي يحدّ من قدرة التنظيم على استغلال الأزمات المعيشية.
وتفصيلاً، تحدث رائف عن ثلاثة محاور رئيسية:
أولاً: المجابهة المسلحة والعسكرية الحاسمة، والتي استهدفت كسر بنية التنظيم المتورط في أعمال عنف وتكفير، عبر مواجهة عناصره التي تعتقد أن الإرهاب طريقها لتحقيق أهداف سياسية. وقد أسهم هذا المسار في تقليص قدرة التنظيم على الحركة والتمدد، وإضعاف شبكات التمويل والتجنيد المرتبطة به.
ثانياً: المجابهة الفكرية الشاملة، من خلال تجديد الخطاب الديني وتصحيح المفاهيم التي تُستخدم لتبرير العنف أو تشويه الدين. كما شملت—وفق ما ذكر رائف—تطوير المنظومة الإعلامية وتكثيف رسائل التوعية، بهدف تحصين المجتمع ضد الأفكار الهدامة، وتعزيز ثقافة المواطنة والوعي النقدي لدى الأفراد، بما يحدّ من قابلية الاستقطاب والتلاعب.
ثالثاً: التنمية والإعمار، كجزء من استراتيجية مواجهة لا تكتمل دون معالجة جذور الاستغلال. فبعد أن قطعت الدولة الطريق أمام قدرة الجماعات الإرهابية على استغلال الفقر والاحتياجات الاقتصادية لتجنيد الشباب أو تحقيق نفوذ اجتماعي، اتجهت نحو تمكين المجتمع عبر مسارات التنمية، بما يقلص الفجوات التي تستغلها التنظيمات المتطرفة.
وأضاف رائف أن هذه المقاربة المتعددة لا تركز على مواجهة الأعراض فقط، بل تعمل على «تجفيف منابع الإرهاب» عبر محاور متوازية: تفكيك البنية الأمنية للتنظيم، وإضعاف أدواته الفكرية والإعلامية، ورفع قدرة المجتمع على الصمود أمام محاولات التأثير عبر الأزمات. واعتبر أن النتيجة تمثلت في تراجع فعالية التنظيم وازدياد العزلة الدولية له، بما يعزز فرص استعادة الاستقرار وحماية المجال العام من تحركات الجماعات المتطرفة.
وبذلك—حسب رائف—تتأكد فكرة أن التعامل مع التطرف لا ينجح عندما يكون أمنيًا فقط أو خطابياً فقط أو تنموياً فقط، بل عندما يتحول إلى مشروع وطني متكامل يربط بين الأمن والفكر والتنمية، ويقود إلى تغيير حقيقي في معادلات النفوذ داخل المنطقة وخارجها.

التعليقات