أكد عمرو فاروق، الباحث في شؤون التيارات الإسلامية، أن جماعة الإخوان ما زالت تحتفظ—رغم الضغوط السياسية والأمنية التي تعرضت لها خلال السنوات الماضية—ببنية تنظيمية تمتد خارج الحدود، مع بقاء حضورها بأشكال مختلفة في عدة دول. وأضاف فاروق أن الجماعة لم تكتفِ بالاستمرار في نشاطها التقليدي، بل أعادت هندسة أساليب عملها بما يتوافق مع التحولات التي شهدها المشهد السياسي والاجتماعي، سواء من حيث خطابها أو طرق الوصول إلى الجمهور أو أساليب حشد الدعم.
وأشار خلال حديثه لبرنامج “مساء دي إم سي” عبر فضائية “دي إم سي” إلى أن أدوات الاستقطاب والتجنيد لم تعد تعتمد على القنوات القديمة وحدها. ولفت إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى إحدى أبرز ساحات التأثير لدى التنظيمات السياسية والتنظيمات ذات الخلفية الدعوية، لأنها تتيح نشر الرسائل بسرعة وبأقل تكلفة مقارنة بوسائل الإعلام التقليدية، كما تُمكّن من الوصول إلى شرائح واسعة من المستخدمين داخل فترات قصيرة.
وأوضح أن الفضاء الإلكتروني يمنح جماعات الإسلام السياسي قدرة أكبر على إدارة “سرديات” بعينها؛ من خلال تبني روايات تتماشى مع اهتمامات الجمهور المحلي، وتصميم محتوى يناسب كل منصة، مثل الفيديوهات القصيرة والمنشورات التفاعلية والبث المباشر. وبيّن أن هذه المقاربة قد تساعد على جذب المتابعين، ثم تحويلهم تدريجيًا إلى دوائر أكثر ارتباطًا، عبر تهيئة بيئات تواصل مغلقة أو شبه منظمة، بما يسهّل التعرف على الاهتمامات وتوجيه الرسائل اللاحقة.
تطور التكنولوجيا ووسائل الاتصال وإعادة صياغة الآليات
يؤكد فاروق أن تطور التقنيات ووسائل الاتصال أجبر حركات الإسلام السياسي—ومنها الإخوان—على إعادة صياغة أدواتها وآليات تحركها. وفي هذا السياق، أشار إلى أن ما يُعرف بـ“الجهاد الإلكتروني” يمثل أحد أنماط النشاط الجديدة التي تعكس طبيعة المرحلة؛ حيث تتمحور بعض الجهود حول صناعة المحتوى والترويج والتعبئة الرقمية بدلًا من الاقتصار على الحضور الميداني التقليدي.
ولتعميق الفهم، يمكن النظر إلى أن التحول نحو الفضاء الرقمي لا يقتصر على النشر فقط، بل يشمل كذلك:
– **إدارة الحملات**: إطلاق سلاسل محتوى متتابعة ترتبط بأحداث سياسية أو اجتماعية لرفع معدل التفاعل.
– **استهداف الجمهور**: توظيف منطق “الاهتمامات” لتوجيه الرسائل إلى فئات بعينها بدل مخاطبة عامة الجمهور.
– **التأثير التدريجي**: الانتقال من نشر الأفكار إلى بناء علاقات، ثم استمالة الأفراد عبر قنوات تواصل أكثر خصوصية.
– **تعدد اللغات والمنصات**: استخدام منصات مختلفة ورسائل متنوعة لتكييف الخطاب مع جمهور كل منطقة.
كما شدد على أن الفضاء الإلكتروني يتيح—بجانب التأثير—رفع القدرة على التأطير والتعبئة؛ إذ يمكن للتنظيمات أن تراقب ردود الفعل وتُعدّل الرسائل وفقًا لنجاعة المحتوى، مما يجعل التواصل الرقمي أكثر ديناميكية من الأساليب التي كانت سائدة في الماضي.
في المحصلة، يرى الباحث أن الجماعة طورت أدواتها لمواكبة المتغيرات عبر توظيف التكنولوجيا كوسيلة رئيسية للتأثير والاستقطاب، مستفيدة من سهولة الانتشار وسرعة الوصول وقدرة المنصات الرقمية على تضخيم الرسائل والوصول إلى شرائح واسعة من المستخدمين. وبذلك تصبح عملية التجنيد والاستقطاب—وفق هذا الطرح—أقرب إلى “مشروع رقمي” يبدأ بمحتوى إعلامي ويستمر بتكوين شبكات تواصل، قبل أن يتحول إلى أشكال حضور أكثر تنظيمًا وفق ما تسمح به الظروف السياسية والأمنية في كل بلد.

التعليقات