التخطي إلى المحتوى

في حلقة خاصة من برنامج «واحد من الناس» على شاشة قناة الحياة، سلط الإعلامي الدكتور عمرو الليثي الضوء على عالم الطب الشرعي بوصفه “خط الدفاع الأول عن الحقيقة”، مؤكدًا أن هذه المهنة لا تقتصر على التقارير أو التشريح، بل تمثل علمًا وإنسانية ومسؤولية تساهم في كشف الملابسات أمام العدالة. وقال الليثي إن كل تقرير أو بصمة أو جثة خلفها قصة قد تغير مسار قضية كاملة، وأن الطب الشرعي يجعل الحقيقة أقرب بدلًا من أن تبقى مجرد روايات متضاربة.

وخلال الحلقة، استضاف الليثي الدكتورة دينا شكري، أستاذ الطب الشرعي بجامعة القاهرة، وعضو المجلس الاستشاري للطب الشرعي بمكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية. تحدثت الطبيبة عن بدايتها في هذا المجال وكيف شكّلها الشغف بالعلوم الطبية المرتبطة بالإنسان، مشيرة إلى أنها تمارس المهنة منذ ثلاثين عامًا، وأن هدفها الأساسي هو إعادة الحق: حيًا كان الشخص أو ميتًا. ولفتت إلى أنها درست مناظرة الجثث قبل التخرج، وأنها رغم ما يصاحب هذه الخطوة من رهبة في البداية، فإن مرور الوقت يحول التجربة من خوف إلى التزام علمي وإنساني.

وأكدت شكري أن فهم علامات الجسم—مثل آثار الضرب أو الطعنات أو الخدوش—يساعد على تحديد نوع الأداة والكيفية التي تم بها الاعتداء، لأن التفاصيل ليست شكلًا فقط بل “مؤشرات” تحمل معنى. وفي الوقت نفسه شددت على ضرورة الحفاظ على التوازن النفسي داخل العمل، قائلة إن التعاطف مع بعض الحالات أمر طبيعي، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى سيطرة أو ضغط على النفس بما ينعكس على جودة الأداء.

ومن القصص التي أثارت اهتمام الجمهور ما تناولته عن الأطفال، موضحة أن قضايا الصغار تحمل شجنًا خاصًا لأنها تمزج بين هشاشة الحياة وسرعة النتائج عندما يقع الإهمال. وذكرت مثالًا لطفل كان نائمًا على السرير بجوار نافذة، بينما كانت والدته في المطبخ، وحين حاول الطفل الحركة سقط من الشباك—قصة تعكس كيف يمكن لعامل بسيط أن يتحول إلى مأساة.

كما تناولت شكري التأثير النفسي المترتب على التعامل مع الوقائع، موضحة أن دخول الطبيب الشرعي في تفاصيل كل حالة قد يترك أثرًا حتى لو كان مختصًا ومدربًا. واستشهدت بحالات صادمة، منها طفلة “كانت تلعب” ثم انقلبت ترابيزة فوق رقبتها ما أدى إلى وفاتها. وأشارت إلى أن هذه السيناريوهات ليست فقط مأساة إنسانية، بل أيضًا مادة علمية تتطلب قراءة دقيقة لملامح الإصابة لتفسير ما حدث بشكل موضوعي.

وشددت الطبيبة على أن الطب الشرعي ليس “طب الأموات” فقط، بل علم يتعامل كذلك مع الأحياء، سواء في حالات الاعتداءات أو الإصابات أو ما قد يحتاجه التحقيق الطبي من تقييم موضوعي. واعتبرت أن الطب الشرعي هو في الأساس “علم الأحياء”؛ أي قراءة الجسد بوصفه سجلًا بيولوجيًا يمكن من خلاله—بالتشريح والفحص والمقارنة—الوصول إلى ما يفسر سبب الإصابة أو الوفاة.

وفي سياق تبسيط بعض المفاهيم، تحدثت عن قدرة الطب الشرعي على ربط الإصابات بظروفها، مثل إمكانية الاستدلال على نوع الأداة من شكل الأثر، وذكرت مثالًا توضيحيًا بأن استخدام عصا قد يترك نمطًا يمكن من خلاله الاستنتاج بأن الضرب كان بعصا. كما أشارت إلى مصطلحات يتداولها كثيرون في سياق القضايا مثل “الذباب الأخضر والذباب الأزرق”، موضحة أن وجود بعض الحشرات على الجثة أو قربها قد يساعد في فهم مرحلة زمنية مرتبطة بالتغيرات، بما يقدّم للخبراء إطارًا زمنيًا للتحقيق.

ولفتت إلى قضية “لعبة الموت”، مؤكدة أن العلم رغم أنه يعتمد على أدلة قابلة للفحص، إلا أن بعض الوقائع تبدو وكأنها تتضمن غموضًا؛ فالجثة قد “تحكي” ما حدث عبر مؤشرات بيولوجية وتشريحية، ومن هنا تتولد أهمية أن تكون الجهة التي تتعامل مع الأدلة علمية ودقيقة. وأضافت بأن الطب الشرعي لا يفتح الباب للغيبيات، لكنه يزيل الغموض عبر منهج علمي يترجم العلامات إلى حقائق.

وتأتي الحلقة ضمن سلسلة «واحد من الناس» التي تهدف إلى تقديم محتوى إنساني واجتماعي وارتكازي على قضايا جنائية بهدف التوعية وكشف الحقائق بعيدًا عن التشويه أو الافتراضات. ومع الحديث عن دور الإهمال وكيف يتحول إلى جريمة أو شبهات، شددت شكري—من خلال قصص الأطفال وغيرها—على أن الوقاية ليست شعارًا، بل ضرورة تتجسد في وعي الأسرة والمسؤولين، وفي الوقت نفسه في تطبيق العلم حيث تتطلب القضايا تقييمًا دقيقًا.

وبينما يظل الجمهور يرى الطب الشرعي من خلال الأعمال الدرامية، تؤكد الحلقة أن الحقيقة أوسع: مهنة تعالج الجسد بوصفه دليلًا، وتحمي المجتمع عبر كشف الأسباب وربطها بالوقائع، وتدافع عن حقوق الإنسان—مهما كانت نهاية الطريق—بالعلم، والانتباه، والالتزام الأخلاقي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *