أكدت راندا لطفي، اللايف كوتش واستشاري العلاقات، أن تطوير الذات واكتساب مهارات جديدة يعدان من أهم مفاتيح النجاح والرضا في الحياة، مشددةً أن عدد سنوات الخبرة وحده لا يكفي لضمان التقدم المهني أو الشعور بالاستقرار الداخلي. فالتطور الحقيقي يظهر في القدرة على التعلم المستمر، وتحديث المهارات، وتوظيف الخبرة بطريقة تمنح الشخص مرونة وثقة أكبر في اتخاذ القرارات.
وخلال حديثها في برنامج «صباح البلد» المذاع على قناة صدى البلد، أوضحت لطفي أن بعض المؤسسات قد تفضّل أحيانًا المرشح الأقل خبرة من حيث السنوات، لكنه الأكثر التزامًا بتطوير نفسه بشكل مستمر، مقارنةً بمرشح يمتلك خبرة طويلة دون تطور ملحوظ أو رغبة في تحسين الأداء. وذكرت أن عالم العمل يتغير بسرعة، وأن من لا يواكب التحولات قد يجد نفسه محاصرًا داخل دور لا ينسجم مع طموحه أو قدراته.
وأوضحت أن الخوف من البدء من جديد قد يدفع البعض إلى الاستمرار في وظائف أو مسارات مهنية لا تمنحهم السعادة أو الرضا، حتى لو كانت تتعارض مع قيمهم ورغباتهم. لذلك شددت على أن القرار الأهم هو اختيار الطريق الذي يخدم احتياجات الإنسان وأهدافه، بدلًا من الانخداع بالخوف أو مسايرة الظروف على حساب الذات.
مواجهة الخوف وإعادة رسم الخريطة المهنية
تطرقت لطفي إلى أن كثيرين يترددون في التغيير لأنهم يربطونه بإحساس بالفشل أو ضياع الوقت. لكن من وجهة نظرها، البدء من جديد لا يعني العودة إلى الصفر، بل يعني إعادة تنظيم الأولويات وبناء خطة أكثر توافقًا. فالشخص يملك بالفعل خبراته وتجاربه السابقة، ويمكنه تحويلها إلى نقاط قوة عبر تعلم مهارات جديدة، وتوسيع شبكة العلاقات المهنية، وتطوير أسلوبه في التعامل مع متطلبات سوق العمل.
ومن ضمن الأفكار التي تساعد على هذا التغيير: تحديد المهارات التي يرغب الشخص في اكتسابها، وضع هدف مهني واضح خلال فترة زمنية محددة، والبحث عن فرص تدريب أو شهادات أو مشاريع جانبية تعزز الثقة وتفتح مسارات جديدة. كما أشارت إلى أهمية تقييم الواقع بصدق: ما الذي يضيفه العمل للشخص؟ ما الذي يأخذ منه طاقته؟ وهل ما يفعله اليوم يعكس طموحاته أم يقتصر على مجرد الاستمرار؟
تحرر من ضغوط المجتمع
دعت لطفي إلى عدم الاستسلام لضغوط المجتمع والأسرة المتعلقة بشكل الحياة أو توقيت النجاح. فالشخص بعد سن الأربعين، حسب ما أكدت، يمتلك قدرة أكبر على إعادة تقييم اختياراته وطرح الأسئلة الأهم: ماذا أريد؟ ما الذي يحقق لي معنى الحياة؟ وكيف أوازن بين عملي وراحتي النفسية؟
وأوضحت أن الحياة لا تسير وفق جدول زمني موحد؛ فليست هناك قاعدة تلزم الجميع بأن يتخرجوا في عمر محدد أو يستقروا في وقت واحد أو يحققوا النجاح بالشكل ذاته. لكل شخص ظروفه وتجربته وتحدياته، وتوقيته قد يختلف نتيجة عوامل شخصية ومجتمعية ومهنية. لذلك فإن مقارنة الذات بالآخرين قد تؤدي إلى قرارات متسرعة أو شعور دائم بعدم الكفاية.
ورأت لطفي أن بلوغ سن الأربعين يمكن أن يكون نقطة انطلاق حقيقية نحو حياة أكثر اتساقًا مع الرغبات والقدرات، بشرط ألا ينظر الشخص إلى العمر باعتباره عائقًا. بل اعتباره فرصة للاستفادة من الخبرات السابقة، وبناء مستقبل يختاره الشخص بنفسه وبشكل أعمق وأكثر وعيًا.
اختيار الحياة بدلًا من تكرار حياة الآخرين
شدّدت اللايف كوتش على أن الأهم ليس انتظار الإشارة أو السماح للضغوط برسم المسار، بل البدء في اختيار الحياة التي يريدها الشخص. فالمطلوب هو الانتقال من نمط «الاستجابة لما يطلبه الآخرون» إلى نمط «القرار المبني على احتياج الذات». وعندما يصبح الهدف واضحًا، يصبح التغيير أسهل لأن الشخص يدرك لماذا يغير، وليس فقط كيف يغير.
كما لفتت إلى أن النجاح بعد الأربعين قد يظهر بأشكال متنوعة: وظيفة تناسب المهارات أكثر، مشروع مستقل يمنح حرية أكبر، أو مسار مهني جديد يعيد للشخص شغفه. والرضا هنا لا يتعلق بالوصول فقط، بل بطريقة العيش أثناء الطريق.
في النهاية، تلخص رسالتها في فكرة واحدة: تطوير الذات المستمر، وإدارة الخوف من التغيير، والتحرر من ضغط الوقت وتوقعات المجتمع، كلها عناصر تساعد الإنسان على بناء حياة أكثر توافقًا، وأكثر تحققًا للمعنى والسعادة.

التعليقات