التخطي إلى المحتوى

تتجه الأنظار إلى مستقبل أزمة مضيق هرمز في ظل استمرار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بالتزامن مع ارتفاع حدة التوترات المرتبطة بحركة السفن وناقلات النفط. ومع بقاء المنطقة تحت تأثير سلسلة من الاستهدافات والتهديدات، يبرز سؤال محوري حول السيناريوهات التي قد تحدد مسار الأزمة خلال الفترة المقبلة، وما إذا كانت ستنتهي إلى تهدئة ملموسة أم ستتوسع لتقلب ميزان المخاطر البحرية والطاقة في الخليج.

وبحسب الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، فإن أزمة مضيق هرمز لا تزال مفتوحة على أكثر من مسار محتمل. ويؤكد أن استمرار التفاوض بين واشنطن وطهران يجري جنبًا إلى جنب مع تصاعد التوتر، بما يتضمن استهداف بعض السفن والناقلات. ومن ثم، فإن أي قراءات للأزمة لا يمكن حصرها في المسار الدبلوماسي وحده، لأن الواقع الميداني البحري يساهم في فرض إيقاع خاص على المفاوضات وعلى خيارات الردّ.

ويشير سلامة إلى أن التفاهمات الجارية بين إيران وسلطنة عمان لا تعني تلقائيًا عودة حركة الملاحة في المضيق إلى طبيعتها كما كانت قبل 28 فبراير. فالمطلوب وفقًا لما يتم طرحه حاليًا قد لا يقتصر على “تهدئة” عامة، بل يرتبط بتصور عملي أكثر، يتمثل في إنشاء ممر ملاحي آمن بعيدًا عن الألغام، يسمح باستمرار عبور السفن وتقليل احتمالات المخاطر المفاجئة.

### سيناريو “الممر الآمن” كمدخل لتقليل المخاطر
أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في ترتيبات ملاحية تضمن مسارًا أكثر أمانًا للسفن، عبر تحديد مناطق لعبور السفن وإجراءات ضمان السلامة. هذا الطرح يهدف إلى كسر حلقة التوتر عبر تحويل المشكلة من “خطر مفتوح” إلى “مسار مُدار”. غير أن نجاح هذا الاتجاه يرتبط بالخطوات التفصيلية التي تسبق تشغيله، وبقدرة الأطراف على ضمان عدم عودة عناصر التهديد على طول الطريق.

### أدوات الضغط المتبادلة بين واشنطن وطهران
يرى أستاذ العلوم السياسية أن كل طرف في الأزمة يستخدم أوراق الضغط المتاحة له. فإيران تسعى إلى رفع تكلفة الأزمة على دول الخليج، بهدف دفع الولايات المتحدة إلى تقديم استجابة تتماشى مع مطالبها. ويأتي ذلك في سياق سعي طهران إلى ترجمة الضغط الميداني إلى ورقة تفاوضية، عبر تعقيد حسابات الربح والتأمين وزمن العبور.

في المقابل، تستخدم الولايات المتحدة التهديد بالتصعيد كوسيلة ضغط على طهران، وذلك بهدف دفعها إلى العودة إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط التي تطرحها الإدارة الأمريكية. ومن المهم هنا فهم أن واشنطن لا تعتمد على التفاوض السياسي فقط، بل توازن بين الرسائل الدبلوماسية والإجراءات الردعية، بما يجعل مسار الأزمة مرتبطًا بما قد يحدث على الأرض وفي البحر.

### استهداف ناقلات النفط: تداعيات تتجاوز الحسابات التكتيكية
وصف سلامة استهداف ناقلات النفط بأنه خطأ استراتيجي من جانب إيران، نظرًا لاحتمالات ما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات واسعة. فمثل هذه الأعمال لا تقتصر على الجانب العسكري أو البحري، بل تنعكس على الاستقرار والتنمية والأمن القومي في المنطقة. كما أنها قد تدفع إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وتزيد من حالة عدم اليقين لدى الشركات العالمية، وهو ما ينعكس في النهاية على تدفقات الطاقة والاقتصاد الإقليمي والدولي.

### مخاطر استمرار الأزمة على الملاحة والطاقة
يشدد سلامة على أن استمرار الأزمة يحمل مخاطر كبيرة على حركة الملاحة والطاقة، خصوصًا مع الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز للتجارة العالمية. فالممر الملاحي ليس مجرد طريق إقليمي، بل عقدة عالمية لسلاسل الإمداد المرتبطة بالنفط والغاز. لذلك، فإن أي تصعيد أو تعثر في تأمين العبور يمكن أن ينعكس بسرعة على الأسعار العالمية وعلى خطط شركات النقل والاستثمار.

### ماذا قد يحسم مسار الأزمة قريبًا؟
يتضح من مجمل المعطيات أن شكل التفاهمات المقبلة سيحدد إلى حد كبير طبيعة التعامل مع الأزمة. فبينما يفتح التفاوض الباب أمام حلول تدريجية، فإن استمرار التوتر والاستهدافات يجعل السيناريو الأكثر واقعية هو سيناريو “إدارة المخاطر” عبر إجراءات ملاحية محددة وضمانات أمنية قابلة للتطبيق. وفي حال تعثر هذه الخطوات، قد تتجه الأزمة إلى مسار أشد تعقيدًا، بما يعزز احتمالات التصعيد ويزيد من تقلبات حركة التجارة البحرية.

وفي المحصلة، تقف المنطقة أمام مفترق طرق: إما تحويل المفاوضات إلى تهدئة تدريجية وممرات عبور آمنة، أو استمرار استخدام أوراق الضغط بما يرفع من المخاطر ويطيل أمد عدم الاستقرار. وتظل الأشهر القليلة المقبلة كفيلة بتقديم مؤشرات حاسمة حول أي السيناريوهات سيتقدم على غيره، ومدى قدرة الأطراف على تحويل التوافقات السياسية إلى واقع بحري مستقر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *