التخطي إلى المحتوى

يشهد ملف مضيق هرمز حالة من الترقب مع تباين واضح بين ما تطرحه بعض التصريحات الأمريكية من مؤشرات تفاؤل، وما يظل غائبًا أو غير محدد من جانب إيراني بخصوص وجود مفاوضات مباشرة. ويشير خبراء العلاقات الدولية إلى أن المشهد الحالي لا يدور في مسار واحد، بل يتشكل من خطين متوازيين قد يلتقيان أو يتعثران وفق تطورات سياسية واقتصادية وأمنية.

أول المسارات يتمحور حول التواصل الأمريكي-الإيراني بخصوص ترتيبات تنظيم حركة الملاحة وإمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي جزءًا من التوتر. وفي هذا الإطار، تتحدث بعض التقارير عن احتمال الوصول إلى تفاهم يسمح بفتح المضيق لمدة تقارب 60 يومًا، ضمن آليات محددة لإدارة مرور السفن والحد من المخاطر. أما المسار الثاني فيتمثل في قنوات تفاوض بين إيران وسلطنة عمان تتعلق بكيفية تنظيم المرور داخل المضيق وما يرتبط به من إجراءات متابعة وتنفيذ، بما يضمن عدم تحول التوتر إلى تصعيد مباشر أو تعطيل مستمر.

لكن الخبراء يوضحون أن الاتفاق المرتبط بسلطنة عمان لتنظيم حركة السفن لا يعني تلقائيًا عودة الملاحة إلى طبيعتها بشكل كامل. فالتقدم الحقيقي يرتبط، وفق قراءة محللين، بعوامل أوسع تتصل بما يمكن اعتباره “حزمة متبادلة” بين الطرفين، تشمل الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، ومعالجات مرتبطة بالعقوبات التي تؤثر على صادرات النفط، إضافة إلى خطوات لخفض حدة التصعيد في جبهات أخرى. وترى هذه القراءة أن أي ترتيب سريع قد يبقى محدودًا ما لم تتوافر عناصر ثقة وتوافق حول سقف التنازلات المطلوب من كل طرف.

ومن أبرز التعقيدات، بحسب تقديرات الخبراء، استمرار انعدام الثقة بين الجانبين، وهو ما يجعل الوصول إلى اتفاق شامل أكثر صعوبة من مجرد تفاهمات مؤقتة. فإيران تُظهر، في مواقفها المتداولة، رغبة في لعب دور أكبر ضمن ترتيبات إدارة المضيق، في حين تميل الولايات المتحدة إلى رفض الاعتراف بسيطرة مباشرة أو نفوذ حصري لإيران على آليات التشغيل. ونتيجة لذلك، يصبح التركيز على “تنظيم المرور” أكثر واقعية من الحديث عن “إدارة شاملة” تتضمن ترتيبات سيادية أو امتيازات واسعة.

وفي سياق التحولات الاستراتيجية، تؤكد القراءة التحليلية أن إيران استطاعت، إلى حد كبير، تحويل مضيق هرمز إلى عنصر محوري في معادلة الضغط والمساومة مع الولايات المتحدة، في وقت كان الملف النووي يشكل محورًا أساسيًا. ويأتي هذا التحول لأن استمرار إغلاق المضيق أو التهديد بتعطيل الملاحة ينعكس على الاقتصاد العالمي، حيث يرتبط ذلك مباشرة بتقلب أسعار النفط العالمية وتأثر سلاسل الإمداد وتكاليف التأمين والشحن. كما أن الإغلاق الجزئي أو المخاطر الأمنية ترفع تكلفة تداول السلع القادمة أو المغادرة من منطقة الخليج، وهو ما يضغط على الشركات العالمية ويجعلها أكثر تحفظًا في اتخاذ قرارات العبور.

في المقابل، يرى الخبراء أن الولايات المتحدة لم تنجح حتى الآن في إعادة حركة الملاحة إلى وضعها الطبيعي عبر القوة وحدها، لأن شركات الشحن والتأمين تظل حساسة للمخاطر الأمنية حتى مع وجود إجراءات ردع. لذلك، بدت العودة إلى المسار الدبلوماسي أكثر حضورًا، خصوصًا في ظل إدراك واشنطن أن التصعيد العسكري لا يضمن استقرارًا طويل الأمد، وأن إدارة المخاطر تتطلب تفاهمات تقلل من احتمال المواجهات.

وبين التفاؤل الأمريكي وغموض الموقف الإيراني الرسمي، تبرز احتمالات متعددة: فقد يكون الهدف عمليًا هو اختبار تفاهمات تدريجية، تبدأ بترتيبات مؤقتة لإعادة فتح المضيق أو تخفيف القيود لمدة محدودة، ثم الانتقال لاحقًا إلى تفاهمات أوسع إذا توافرت شروط سياسية واقتصادية وأمنية. وفي كل الأحوال، يظل نجاح أي اتفاق مرهونًا بعوامل مثل درجة الالتزام بتطبيق آليات تنظيم المرور، والتقدم في ملف الإفراج عن الأموال وتخفيف القيود ذات الصلة بالقطاع النفطي، ومستوى خفض التصعيد في الملفات الموازية.

إجمالًا، يبدو أن ملف هرمز يدخل مرحلة “ترتيبات بالحد الأدنى” قبل “تفاهمات شاملة”، وأن الفجوة بين التصريحات الأمريكية والموقف الإيراني ليست مجرد خلاف لغوي، بل تعكس حسابات استراتيجية مختلفة حول من يدير الترتيبات وكيف تُبنى الثقة وكيف تُختبر الالتزامات على الأرض.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *