يؤكد أطباء المخ والأعصاب أن النسيان المتكرر لا يعني بالضرورة وجود ضعف دائم في الذاكرة، بل قد يكون غالبًا نتيجة تراجع الانتباه والتركيز. فالمعلومة كي تُخزَّن في الذاكرة تحتاج إلى انتباه كافٍ عند استقبالها، وعندما يتشتت الذهن لا تتم عملية “التثبيت” بصورة صحيحة، فيظهر الأمر وكأنه نسيان.
ومن أبرز العوامل التي قد تقف وراء عدم تذكر تفاصيل بعينها: ضغط الحياة اليومية وانشغال الذهن بعدد كبير من الأفكار والمهام في وقت واحد. ومع تراكم المسؤوليات، يرتفع مستوى الإرهاق الذهني تدريجيًا، ما يجعل الدماغ يعمل بنمط أقل كفاءة في المتابعة والتركيز. كما أن استنزاف الانتباه قد يتفاقم مع السهرات المتكررة أو فترات العمل الطويلة دون فواصل حقيقية، حتى لو كان الشخص يحاول تعويض ذلك بالنوم في نهاية اليوم.
ويلعب الإفراط في استخدام الهاتف دورًا محوريًا في تدهور القدرة على التركيز. فالتصفح المستمر، خصوصًا مقاطع الفيديو القصيرة وسريعة الإيقاع، يفرض على الدماغ الانتقال المتكرر بين محتوى وآخر خلال ثوانٍ، الأمر الذي يضعف القدرة على الاستقرار الذهني ويقلل من القدرة على التركيز العميق. ويؤدي ذلك إلى أن العقل لا يمنح المعلومات الوقت الكافي لاستيعابها وربطها بما سبق.
كذلك، فإن الانتقال المستمر بين المهام—من رسالة إلى أخرى، ومن فكرة إلى حدث أو رأي مختلف—يعزز ما يُعرف بالـ “تكلفة الذهنية” الناتجة عن تعدد المهام. فالمخ لا ينفذ عملين بنفس الكفاءة في الوقت نفسه، بل يحدث انتقال سريع بين المهام، وهذا الانتقال المتكرر يستهلك جزءًا كبيرًا من طاقة الدماغ. ومع الوقت قد تظهر آثار ذلك على شكل تشتت أكبر، بطء في الاسترجاع، وصعوبة في تنظيم الأفكار.
أما التفكير الزائد، فيُعد من أكثر الأسباب الشائعة لتشتت الانتباه؛ لأن العقل ينشغل داخل دائرة من القلق والتحليل حول أمور لا ترتبط مباشرة بالمهام المطلوبة. وقد يتسبب هذا النمط في استنزاف الانتباه حتى أثناء أداء مهام بسيطة، فيتحول “النسيان” إلى عرض مرافق لعدم صفاء ذهني وانخفاض قدرة الدماغ على متابعة التفاصيل.
ومن العلامات التي قد ترافق هذه الحالة: الشعور بالإجهاد في نهاية اليوم حتى مع الحصول على ساعات نوم كافية. ويرجع ذلك غالبًا إلى أن المشكلة ليست في النوم وحده، بل في نوعية الانتباه خلال اليوم. لذلك قد يلجأ بعض الأشخاص إلى الكافيين لتعزيز التركيز بشكل سريع، لكن الاعتماد المتكرر عليه قد يؤدي إلى حلقة مفرغة: ضعف التركيز ثم الحاجة للمزيد من المنبهات، ومع مرور الوقت قد تتأثر جودة النوم، ويبدأ تأثير ذلك في اليوم التالي كحلقة تتكرر.
لتحسين التركيز وتقليل النسيان المرتبط بالمشتتات، يمكن اتباع خطوات عملية مثل: تقليل التصفح السريع للهاتف واستبداله بفترات محددة، تطبيق نظام “تركيز” خلال 25–45 دقيقة مع توقف قصير بدل الانتقال المستمر بين المهام، كتابة قائمة مهام يومية لتقليل تشتيت العقل، وإعطاء العقل وقتًا لإتمام المهمة بدل التفكير في عدة خيارات في وقت واحد. كما يساعد تنظيم الكافيين (خصوصًا قبل النوم بوقت كافٍ) على حماية جودة النوم، وهو أمر أساسي لاسترجاع المعلومات.
وتظل نقطة مهمة: إذا كان النسيان متكررًا بشكل يسبب قلقًا شديدًا أو يصاحبه أعراض أخرى مثل تغيّر واضح في السلوك أو صعوبة مستمرة في أداء المهام اليومية، فمن الأفضل استشارة مختص للتأكد من عدم وجود سبب طبي آخر. لكن في كثير من الحالات تكون المشكلة قابلة للتحسين عبر معالجة مصادر التشتت وإدارة الجهد الذهني بشكل أفضل.

التعليقات