تتصاعد مخاوف أزمة طاقة عالمية مع تكرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة، وما يتبعه من تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، إضافة إلى تزايد الطلب على الطاقة عالميًا. ولم تعد آثار هذه الأزمة محصورة في الدول المنتجة أو المستوردة فحسب، بل امتدت لتطال قطاعات واسعة عبر العالم، حيث تؤثر على معدلات التضخم، وتكاليف الإنتاج، وأسعار السلع والخدمات، وحتى على خطط الاستثمار والتشغيل داخل اقتصادات كبرى.
في هذا السياق، تتجه الأنظار إلى مصر باعتبارها دولة تسعى لتأمين احتياجات السوق المحلية من الوقود والكهرباء، عبر سياسات تهدف إلى الحفاظ على استقرار الإمدادات وتعزيز أمن الطاقة، رغم ما تواجهه المنطقة من تحديات دولية وإقليمية قد تنعكس على سلاسل التوريد وتكاليف الحصول على الوقود.
ومن بين التعليقات التي سلطت الضوء على حجم المخاطر المتوقعة، أكد المهندس أسامة كمال، وزير البترول والطاقة الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، أن احتمالات مواجهة العالم لأزمة طاقة ذات طابع عالمي ترتبط بمدى استمرار التوترات الجيوسياسية، لافتًا إلى أن المشهد الحالي كان متوقعًا في ضوء عدم وجود جدية كافية لإنهاء النزاع وعودة الاستقرار.
وأشار كمال في مداخلة إعلامية إلى أن حالة عدم اليقين الحالية تعيد العالم إلى الخلف، رغم أنه يرى أن ما يحدث كان محسوبًا إلى حد كبير، خصوصًا مع غياب ملامح واضحة لتسوية سريعة. كما تحدث عن تأثير ارتفاع أسعار النفط على الموازنة العامة، موضحًا أن الحكومة قامت بالتحوط مبكرًا عند إعداد الخطط المالية.
وبحسب ما ذكره كمال، كانت الحكومة قد وضعت متوسط سعر للبرميل عند نحو 75 دولارًا في الموازنة الجديدة، بينما تتداول الأسعار في السوق وقت الحديث عند مستويات أعلى. ومع دخول مرحلة تعمّق الأزمة، اتجهت الدولة إلى تعظيم الاحتياطيات وشراء كميات وقود متنوعة، تشمل الخام والمنتجات البترولية السائلة وكذلك غاز البوتاجاز والغاز المسال، بهدف تغطية احتياجات فترة الصيف، إضافة إلى تعاقدات تمتد حتى نهاية سبتمبر لضمان عدم تذبذب الإمدادات خلال الفترات الحساسة.
ولفت كمال إلى صعوبة الجزم بموعد انتهاء الحرب أو تحديد مسارها في ظل الضبابية، مؤكدًا أن وضوح الرؤية قد لا يتحقق إلا بعد محطات سياسية مؤثرة على مستوى الولايات المتحدة. كما توقع استمرار اتجاه أسعار النفط العالمية نحو الارتفاع، موضحًا أن تضرر بعض البنى التحتية للطاقة في المنطقة جراء الضربات قد يؤخر عودة التشغيل بكفاءة، وقد يستغرق ذلك وقتًا—قد يمتد لسنوات—حتى تعود عمليات ضخ الوقود بالشكل الطبيعي.
وتوقع أيضًا أن المشهد قد يكون ممتدًا لبعض الوقت، مع الإشارة إلى أن تحوط الحكومة وتعاقداتها لتغطية الصيف خطوة صحيحة. لكنه حذر من أن استمرار الوضع حتى دخول فصل الشتاء، بالتوازي مع زيادة احتياجات القارة الأوروبية من الوقود لتغطية الطلب خلال موسم الشتاء القادم، قد يجعل الموقف أكثر تعقيدًا بالنسبة للجميع.
ومن جانب آخر، أكد المهندس طارق الملا، رئيس لجنة الطاقة بمجلس النواب ووزير البترول السابق، أن العالم سيظل في حاجة إلى الوقود الأحفوري لسنوات طويلة، حتى مع التوسع المتزايد في مصادر الطاقة المتجددة. ورأى أن الوقود الأحفوري سيبقى مصدرًا أساسيًا للطاقة حتى عام 2050، رغم تغير نسب مساهمته في مزيج الطاقة مقارنةً بالماضي.
وأوضح الملا أن الحصة النسبية للوقود الأحفوري في مزيج الطاقة العالمي قد تتراجع، لكن الحجم الفعلي للاستهلاك قد يستمر في الارتفاع، مدفوعًا بعوامل مثل النمو الاقتصادي والتوسع العمراني. وفي المقابل، ستزداد مساهمة الطاقة الشمسية والطاقة النووية ضمن مزيج بدائل أكثر تنوعًا، ما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو نموذج طاقة متعدد المصادر.
وأشار إلى أن كثيرًا من الدول لم تكن تعتبر الطاقة النووية—في فترات سابقة—ضمن منظومة الطاقة النظيفة، إلا أن المتغيرات العالمية وما فرضته من تحديات أمنية في الإمدادات جعل الحاجة إليها أكثر إلحاحًا، إلى جانب مصادر متجددة أخرى، لتحقيق توازن واستدامة.
كما شدد الملا على أهمية الرؤية الاستشرافية للقيادة السياسية المصرية، مستشهدًا بتوقيع اتفاقية إنشاء محطة الضبعة النووية، مؤكدًا أن المشروع يكتسب أهمية أكبر في ظل التحديات العالمية الحالية، باعتباره أحد عناصر تنويع مصادر الطاقة وتقليل حساسية الاقتصاد لتقلبات الوقود التقليدي.
وختم الملا بتأكيد الاتجاه العالمي نحو مزيج جديد من مصادر الطاقة يشمل الوقود الأحفوري والطاقة النووية والطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بالإضافة إلى الطاقة الكهرومائية والطاقة الحرارية الجوفية. ويرى أن هذا التنوع يساهم في تعزيز أمن الطاقة ويقلل مخاطر الاعتماد على مصدر واحد. وفي الوقت نفسه، دعا إلى ضرورة استغلال الدول التي تمتلك موارد من الوقود الأحفوري لهذه الموارد وتعظيم الاستفادة منها بالتوازي مع الاستثمار في الطاقة المتجددة، لضمان مسار طاقة متوازن ومستدام.
رسالة محورية: أمن الطاقة لحماية الاقتصاد
أبرز المتحدثون أن الظروف الجيوسياسية والحروب الحالية جعلت أمن الطاقة عنصرًا رئيسيًا في حماية الاقتصاد الوطني. فالقدرة على تأمين احتياجات البلاد من الطاقة، وتوافر بدائل واستراتيجيات تحوط، تعد من العوامل التي تساعد على الاستمرار والحفاظ على استقرار اقتصادي، خصوصًا في ظل ارتفاع التقلبات العالمية وتغيرات الطلب.
وبينما تستمر التحوطات وخطط التعاقد لتأمين الإمدادات، تتجه سياسات الطاقة عالميًا وإقليميًا إلى الجمع بين الاستفادة من الوقود الأحفوري خلال المرحلة الحالية، وتوسيع مسارات الانتقال نحو مصادر أقل انبعاثًا وأكثر استدامة—بما يضمن استقرار الإمداد ويخفف أثر صدمات السوق.

التعليقات