التخطي إلى المحتوى

تتزايد مؤشرات القلق داخل الإدارة الأمريكية من انعكاسات تراجع مخزون الصواريخ بعيدة المدى ومنظومات الدفاع الجوي على قدرة واشنطن على خوض عمليات عسكرية واسعة ضد إيران، بالتزامن مع استمرار الضربات المتبادلة بين الجانبين ومحاولة الرئيس دونالد ترامب دراسة خيارات قد تقود إلى توسيع نطاق العمليات، مع الإبقاء على مسار تفاوضي غير مباشر مفتوح.

وأفاد مسؤول أمريكي مطلع على نقاشات داخل الإدارة أن واشنطن لا تمتلك، وفق التقييمات الحالية، ما يكفي من الذخائر لضمان استمرار عمليات واسعة النطاق على نحو آمن، مشيرًا إلى أن البيت الأبيض قد لا يكون على دراية كاملة بحجم الضغوط التي تتعرض لها المخزونات العسكرية مع تصاعد الوتيرة التشغيلية. وفي هذا السياق، تدرس وزارة الحرب الأمريكية تداعيات استمرار العمليات مع انخفاض مخزونات الصواريخ الاعتراضية والذخائر بعيدة المدى، خصوصًا في ظل الحاجة إلى الحفاظ على جاهزية الدفاع الجوي وحماية الأصول الحيوية.

وتتزامن هذه المخاوف مع استمرار الضربات الأمريكية لليلة التاسعة على التوالي ضد أهداف داخل إيران، بينما تواصل طهران الإعلان عن استهدافها أهدافًا مرتبطة بحلفاء واشنطن في المنطقة. وتقول تقارير إن تقييم وزارة الحرب لا يقتصر على جانب الذخائر فقط، بل يمتد إلى مدى الاستعداد لأي تصعيد قد يتضمن خيارات برية، وهو أمر ظل ترامب يتعامل معه بحذر، إذ لم يُستبعد سابقًا بشكل نهائي، بينما تواصل قيادة البنتاغون دراسة السيناريوهات العسكرية المتاحة إذا اتسعت رقعة المواجهة.

كما أشارت التقارير إلى تحركات لزيادة القدرة القتالية في المنطقة عبر إرسال مقاتلات أمريكية إضافية، من بينها طائرات «إف-16» المتمركزة في ألمانيا، ومقاتلات «إف-35» من بريطانيا، إضافة إلى طائرات للتزود بالوقود جوًا. ويُفهم من ذلك أن واشنطن تحاول موازنة الضغط التشغيلي وتحسين القدرة على الاستجابة السريعة، مع مراعاة أن فترات التحضير والتموضع والإعادة للتزود بالذخائر قد تزداد تعقيدًا كلما طالت دائرة الاستهداف.

في المقابل، يؤكد الجانبان الأمريكي والإيراني استمرار اتصالات غير مباشرة عبر وسطاء رغم التصعيد العسكري. فقد ذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران تلقت مقترحات من وسطاء، وأن الدبلوماسية «تعرف واجباتها جيدًا». وعلى الجانب الأمريكي، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو أن الولايات المتحدة ما تزال مستعدة للتفاوض متى توفرت «الظروف المناسبة»، مشيرًا إلى أن واشنطن ستواصل مساعيها لفتح باب الحوار.

وفي ما يتعلق بسياق الضربات الأخيرة، ربطت التقارير الهجمات بردّ واشنطن على مقتل ثلاثة جنود أمريكيين، مع وجود اشتباه في مقتل جندي رابع في هجمات إيرانية استهدفت قواعد أمريكية خلال الأيام الماضية. وفي تصريحاته، وصف ترامب الجنود القتلى بأنهم «وطنيون عظماء»، مؤكدًا أن القوات الأمريكية «وجهت ضربات قوية للغاية» لإيران، وهو ما يعكس منطقًا باليًا على أساس الردع والرد المتناسب أو المتدرج، بحسب ما تراه واشنطن.

وفي الميدان الإقليمي، وسّعت إيران نطاق استهدافها المعلن لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. فقد أعلنت البحرين تعرض أنظمة الملاحة الجوية لديها لهجوم إيراني، كما أعلنت الكويت تعرض محطة كهرباء ومنشأة لتحلية المياه لهجوم بالصواريخ والطائرات المسيّرة، ووصفت ذلك بأنه استهداف مباشر للبنية التحتية المدنية. كذلك أفادت تقارير بأن الدفاعات الجوية في عدة دول اعترضت مقذوفات إيرانية، بينما شهدت مدن داخل إيران، بينها بندر ماهشهر وتبريز وتشابهار، انفجارات جديدة بحسب ما ورد.

وتشير تقارير أيضًا إلى أن الضربات الأمريكية الأخيرة استهدفت تقليص قدرة إيران على تهديد الملاحة التجارية في مضيق هرمز، الذي يظل من أهم الممرات العالمية لنقل النفط. وامتد تأثير التوتر إلى حركة السفن؛ إذ أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية تعرض سفينة قرب مضيق هرمز لإصابة بمقذوف مجهول ما أدى إلى اندلاع حريق وإجلاء طاقمها. ثم أفادت قوات الحرس الثوري الإيراني بأن ناقلتي نفط تعرضتا لانفجار أثناء محاولتهما عبور المضيق، محذرة من أن استمرار العمليات الأمريكية سيجعل مرور النفط والغاز عبر المضيق غير آمن.

وبينما تتداخل أبعاد العمليات العسكرية مع تهديدات الملاحة والطاقة، تراقب جهات دولية تطورات الوضع النووي. فقد ذكرت التقارير أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تتابع معلومات حول استهداف محطة نووية قيد الإنشاء في منطقة دارخوين جنوب غربي إيران. وفي هذا السياق، أكد مدير الوكالة رافائيل جروسي أن المعلومات الأولية لا تشير إلى وجود مخاطر إشعاعية، مجددًا دعوته إلى ضبط النفس وتجنب استهداف المواقع النووية خلال العمليات العسكرية.

ويبدو أن معضلة نقص المخزون ليست مسألة تقنية بحتة، بل تتصل أيضًا بالقدرة على الاستمرار دون خسائر في الكفاءة أو تآكل في الجاهزية، خصوصًا في ظل تعدد جبهات التهديد (البحرية، والدفاع الجوي، والاستهدافات البعيدة) وتزامنها مع مسار اتصالات دبلوماسية غير مباشرة. ومع استمرار تقييم وزارة الحرب الأمريكية للخيارات، يظل التحدي الأكبر هو موازنة الردع والضغط العسكري مع حدود الموارد، وسط تقديرات تشير إلى أن تصعيدًا إضافيًا قد يرفع كلفة العمليات ويزيد الحاجة إلى الذخائر والصيانة ومرونة الاعتراض الدفاعي.

في النهاية، يبقى السؤال الحاسم مرتبطًا بقدرة واشنطن على الحفاظ على تفوقها التشغيلي لفترة أطول دون تجاوز خطوط المخزون، وبمدى نجاح المساعي التفاوضية في تحويل مسار المواجهة إلى تهدئة تقلل احتمالات الانزلاق إلى حرب أوسع، في وقت تزداد فيه تأثيرات الأزمة على الملاحة والطاقة والبنية المدنية في المنطقة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *