أكد راجح داوود، مدير أعمال الموسيقار الراحل هاني شنودة، أن الراحل ترك إرثًا فنيًا استثنائيًا سيظل حاضرًا في تاريخ الموسيقى المصرية، لافتًا إلى أنه كان صاحب رؤية موسيقية سبقت زمنها وساهم في إحداث نقلة نوعية في شكل الأغنية الحديثة وتوزيعاتها.
وأوضح داوود، خلال تصريحات ببرنامج “مساء جديد” عبر فضائية “المحور”، أن هاني شنودة كان من أوائل الموسيقيين في سبعينيات القرن الماضي الذين انفتحوا على الموسيقى الغربية عبر فرق مستقلة كانت تعزف في بيئات قريبة من الجمهور مثل الجامعات والأندية والأماكن العامة. واعتبر أن هذا النهج ساعد على تكوين ذائقة موسيقية جديدة لدى المستمع المصري، وأتاح تلاقحًا بين الأساليب العالمية والهوية المحلية قبل أن يظهر المشروع الأبرز لهاني شنودة.
وأشار إلى أن شنودة أسس فرقة “المصريين”، التي وصفها بأنها فتحت بابًا جديدًا في الموسيقى المصرية. فبعد أن قدمت الفرقة ألحانًا وكلمات عربية بروح معاصرة وتكنيكيات موسيقية حديثة، أصبحت نموذجًا لتطور الأغنية المصرية من حيث أسلوب الأداء والتوزيع والقدرة على المزج بين المدارس المختلفة. وبحسب داوود، لم تكن هذه الخطوة مجرد تجربة فنية، بل كانت نقطة تحول أثّرت لاحقًا في أجيال متعاقبة من الملحنين والموزعين.
وأضاف أن شنودة لم يكن مجرد مؤسس لفرقة “المصريين”، بل كان العقل المحرك والموجّه الفكري الأساسي لها. ومن هنا جاءت مكانتها باعتبارها واحدة من أكثر الفرق تأثيرًا في تاريخ الموسيقى المصرية، مؤكدًا أن أثرها ما زال ممتدًا حتى اليوم من خلال استمرار التأثير على أساليب التوزيع وإعادة قراءة مفهوم “الحداثة” داخل الأغنية العربية.
كما لفت المتحدث إلى أن من أبرز سمات هاني شنودة شغفه الدائم بالتطوير والتجديد؛ إذ كان حريصًا على اقتناء أحدث الآلات الموسيقية التي كانت تظهر عالميًا وإدخالها إلى مصر، مع إدخال أفكار جديدة في طريقة التعامل مع الصوت والطبقات الموسيقية داخل التوزيع. ونتيجة لذلك، حصلت أعماله على طابع متفرد يجمع بين الدقة في التنفيذ وروح التجريب المدروس.
وبينما تلقى شنودة عروضًا للعزف ضمن فرق عالمية كبيرة، فضّل مواصلة مشروعه الفني داخل مصر، وهو ما ساعده على بناء مسار ثابت للإبداع المحلي، وتحقيق نجاحات تركت أثرًا واضحًا في الذاكرة الفنية للمستمعين وفي مسارات العديد من الموسيقيين الذين تعلموا من تجربته أو تأثروا بها.
ولم يقتصر إبداعه على الأغاني فقط، بل امتد إلى الموسيقى التصويرية، حيث قدّم أعمالًا بارزة للسينما المصرية خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وتُعد هذه الأعمال جزءًا أساسيًا من بصمته الفنية، لأنها كشفت قدرته على صياغة موسيقى تخدم الدراما وتمنح المشاهد هوية صوتية متماسكة، مع الحفاظ على لغة موسيقية قابلة للتذكر.
ومن زاوية إضافية تثري الصورة عن تجربته، يمكن القول إن قيمة مشروع هاني شنودة لم تكن في تقديم “نوع جديد” من الموسيقى فحسب، بل في تأسيس أسلوب عمل متكامل: رؤية فنية واضحة، اهتمام بالتفاصيل الصوتية، وتجريب مستمر مع الحفاظ على احترام المستمع ومتطلبات الذائقة المحلية. كما ارتبط مشروعه بتحديث مفاهيم التوزيع الموسيقي بحيث يصبح المزج بين الآلات والإيقاعات والكوَر جزءًا من السرد الموسيقي للأغنية، لا مجرد خلفية صوتية.
وعلى المستوى الإنساني، وصف داوود الراحل بأنه شخصية محبة للحياة، تمتلك روح دعابة، وتتميز بطريقة تفكير تحليلية. وأوضح أنه كان دائم التأمل في المجتمع واستلهام أفكاره من تفاصيل الحياة اليومية، وهو ما انعكس بوضوح على طبيعة أعماله وطريقة بناء اللحن والصياغة الدرامية للموسيقى. وبهذا المعنى، لم تكن تجربته مجرد انتقال من الماضي إلى الحاضر، بل محاولة دائمة لخلق جسر بين الإبداع والواقع وبين الموسيقى والناس.

التعليقات