قال اللواء أركان حرب محمد عبد المنعم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية سابقًا، إن الولايات المتحدة وسّعت تدريجيًا نطاق عملياتها العسكرية ضد إيران، متتبعة مسارًا تصاعديًا انتقل فيه الاستهداف من مناطق قريبة من الساحل وصولًا إلى عمق أكبر داخل الأراضي الإيرانية.
وأوضح خلال استضافته ببرنامج “الحياة اليوم” على قناة الحياة أن التحركات الأمريكية بدأت بمهاجمة مواقع مرتبطة بالقوات أو الأنشطة الإيرانية في محيط الخليج، ثم اتخذت منحى أوسع باتجاه ما وصفه بـ”العمق القريب والمتوسط” قبل أن تصل إلى أهداف أبعد داخل إيران. واعتبر أن هذا التدرّج لا يعكس مجرد توسع ميداني، بل يرتبط أيضًا بتقييم دقيق لقدرات الدفاعات الإيرانية، وبالقدرة على الوصول للأهداف ذات التأثير المباشر على القدرات التشغيلية.
من جهته، أشار عبد المنعم إلى أن الجولة السابعة من الضربات الأمريكية بلغت محافظة يزد وسط إيران، وهي منطقة تبعد قرابة 400 كيلومتر عن الساحل. ولفت إلى أن لهذه المنطقة أهمية عسكرية بسبب وجود منشآت مرتبطة بإنتاج الصواريخ داخل نطاقات جبلية، ما يجعلها أقل انكشافًا من المناطق الساحلية وأكثر ارتباطًا بالتجهيز والجاهزية.
وعلى هذا الأساس، يرى اللواء عبد المنعم أن استهداف مواقع في يزد يأتي ضمن محاولة تقليص القدرات العسكرية الإيرانية، عبر تعطيل أجزاء من منظومات الإطلاق أو الممرات والخطوط التي تدعم الحركة والتشغيل. كما شدد على أن العمليات لا تقتصر على أهداف قتالية مباشرة، بل قد تمتد إلى بعض مسارات الإمداد التي ترتبط بدعم القوات الإيرانية المنتشرة على امتداد ساحل الخليج، بهدف إضعاف الاستمرارية وتقليل فاعلية التحرك.
وأضاف أن الضربات الأمريكية طالت أيضًا عناصر من البنية التحتية، مثل محطات الكهرباء والمياه، ضمن هدف مزدوج يتمثل في الضغط على القدرات التشغيلية الإيرانية وتقليص قدرة الدولة على الحفاظ على جاهزية الأجهزة والأنشطة. وأوضح أن هذا النوع من الاستهداف يُستخدم عادةً لدفع طهران لإعادة حساباتها، خاصة مع الحديث عن ميل إيران للابتعاد عن المسار التفاوضي في مرحلة سابقة.
وفي قراءة لطبيعة الصراع، أكد عبد المنعم أن المواجهة الحالية لا يمكن توصيفها بأنها حرب شاملة، ولا تعني تلقائيًا انتصار طرف أو استسلام الآخر. وبيّن أن إيران تتعامل مع الولايات المتحدة وفق منطق الردع المتبادل، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع حسابات سياسية تفاوضية، بما يضمن استمرار التوازن النسبي دون انفجار شامل.
وشدد على أن استمرار التصعيد، حتى مع اتساع نطاق الضربات، يرتبط بمحاولة كل من واشنطن وطهران تعزيز موقفه التفاوضي والعسكري في الوقت ذاته. ورجّح أن كل طرف يحاول تجنب الوصول إلى مرحلة يصعب السيطرة عليها أو تؤدي إلى مواجهة مفتوحة على نطاق أوسع في المنطقة.
ولتعزيز القدرة على قراءة المشهد، يمكن ملاحظة أن التوسع إلى العمق عادة ما يراعي ثلاثة اعتبارات: أولها كسب أوراق تفاوضية عبر إظهار القدرة على الوصول للأهداف المؤثرة، وثانيها تقليل الفاعلية التشغيلية للقدرات المستهدفة عبر تعطيل عناصر التزويد أو الإدارة أو البنية المساندة، وثالثها اختبار جاهزية منظومات الدفاع والاستجابة، ما يسمح بتعديل التكتيكات لاحقًا بناءً على النتائج.
في المحصلة، يعكس ما يجري—بحسب ما قدّمه اللواء عبد المنعم—اتجاهًا نحو صراع محسوب متعدد الجبهات، يجري فيه توسيع نطاق الضربات لتقليل قدرات الخصم، مع سعي كل طرف للحفاظ على حدود التصعيد بما يخدم أهدافه السياسية والعسكرية في الوقت نفسه.

التعليقات