كشفت دراسة أثرية حديثة أجرتها باحثات وباحثون من جامعة بني سويف بالتعاون مع المتحف المصري عن مؤشرات قوية تفيد بأن بعض أميرات مصر القديمة تلقين تدريبات بدنية على استخدام السيف والقوس، وهو ما يعيد النظر في التصورات التقليدية عن طبيعة دور المرأة داخل القصور الملكية والطقوس الجنائزية.
وفي تصريحات أدلت بها الدكتورة زينب حشيش، الأستاذ المساعد بكلية الآثار بجامعة بني سويف والباحثة المشاركة في الدراسة، أوضحت أن الفريق بدأ منذ عام 2020 مشروعًا لإعادة حصر ودراسة البقايا العظمية والمحنطات الموجودة في مخازن المتحف المصري. وخلال عمليات الجرد تم العثور على صندوق لم يُفتح منذ أكثر من 130 عامًا، ويضم رفات عدد من الأميرات والملك حور، ما وفر مادة علمية نادرة لدراسة علاقة المقتنيات الجنائزية بالسلوك الحياتي الفعلي.
وتشير الباحثة إلى أن الدراسة انطلقت من سؤال تاريخي ظل مطروحًا لسنوات: لماذا عُثر داخل مقابر الأميرات على أسلحة مثل الأقواس والخناجر والسيوف؟ هل كانت هذه الأدوات مجرد جزء من طقوس الدفن والزينة الجنائزية، أم أنها تعكس ممارسة فعلية واستخدامًا متكررًا؟ للإجابة عن ذلك، اعتمدت الدراسة على منهج يجمع بين التحليل البيولوجي للأجسام ودراسة الأسلحة المصاحبة.
أوضحت نتائج الفحص البيولوجي للهياكل العظمية وجود تغيرات واضحة في مناطق ارتباط العضلات بالعظام، وهي تغيرات تتماشى مع أنماط الحركة الناتجة عن الرماية واستخدام أدوات قاطعة/ملازمة للقتال مثل السيف. كما رصد الفريق ما يُعرف بـ“قبضة الرامي”، وهي سمات مورفولوجية تُستخدم في علم الأنثروبولوجيا لتقدير مدى ممارسة الرماية بشكل متكرر، حيث تعكس آثار تحميل عضلي مرتبطًا بحمل القوس وتقنيات الإمساك والشد.
ولم تقتصر الدراسة على تحليل العظام فقط، بل شملت أيضًا فحوصًا للأسلحة المكتشفة داخل المقابر، بما يساعد على دعم الاستنتاجات المتعلقة بطبيعة استخدامها. وتؤكد النتائج أن وجود أسلحة داخل المقابر قد لا يقتصر على الرمز، بل قد يرتبط أيضًا بتدريبات جسدية حقيقية تعكس مهارات وقدرات جسدية اكتسبتها صاحبات تلك المقابر.
ويُعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو فهم أعمق لمكانة المرأة في مصر القديمة، إذ يفتح المجال أمام إعادة تقييم دور الأميرات والملكات، ليس فقط بوصفهن جزءًا من المنظومة الملكية والطقوس الدينية، بل بوصفهن أيضًا حاملات لمهارات قتالية/بدنية قد تكون مرتبطة بالتدريب والتعليم داخل البيئة السلطوية.
وتضيف الدراسة إلى النقاش العلمي حول طبيعة “المحتوى الجنائزي” في المقابر، وتدعو إلى مزيد من الأبحاث المقارنة التي تربط بين السمات العظمية وبين الأدلة الأثرية على وجود ممارسة فعلية للأسلحة، بما يعزز فهمنا لكيفية تشكل الصورة التاريخية للمرأة في الحضارة المصرية القديمة بعيدًا عن التعميمات السائدة.

التعليقات