أكد المستشار محمد ميزار، المحامي بالنقض والاستشاري الأسري، أن الآباء والأمهات غالبًا ما يكونون من أكثر الفئات تأثرًا عند فشل الحياة الزوجية للأبناء، لافتًا إلى أن تبعات الطلاق أو الانفصال لا تقتصر على الزوجين فقط، بل تمتد لتصل إلى الأسرة الممتدة بأكملها من الناحية النفسية والاجتماعية، وتترك آثارًا قد تستمر لسنوات إذا لم تتم معالجتها بصورة صحيحة.
وأوضح ميزار أن ضغوط الأزمة الأسرية تتحول عند الوالدين إلى حمولة يومية: قلق على مستقبل الأبناء، شعور بالمسؤولية، ومحاولات مستمرة لإدارة الخلافات وتقليل آثار الانفصال على من هم أصغر سنًا. ومع تزايد التوتر، قد تظهر تداعيات تتعلق بطريقة التعامل داخل البيت الواحد، سواء على مستوى التواصل أو النظرة للأدوار العائلية، وهو ما يجعل الاستقرار الأسري قضية شاملة وليست مجرد شأن بين طرفين.
مكاتب الاستشارات الأسرية كحل لتخفيف الصدمات
وبيّن الاستشاري خلال حديثه في برنامج “خط أحمر” على قناة الحدث اليوم أن كثيرًا من الآباء والأمهات يتجهون إلى مكاتب الاستشارات الأسرية بعد انهيار زيجات أبنائهم. ويأتي ذلك نتيجة تراكم الضغوط النفسية والمعنوية التي يعيشونها، إضافةً إلى ما ينعكس على الأبناء والأحفاد من مشاعر اضطراب وخوف من تكرار التجربة أو فقدان الأمان الأسري.
وأشار إلى أن الاستشارة المتخصصة تساعد على تفكيك أسباب الخلاف، وتوضح للأهل كيف يفرقون بين الدعم العاطفي وبين التدخل، كما تساهم في وضع خطة للتواصل داخل العائلة تقلل التصعيد وتعيد ضبط العلاقة بين الأطراف، خاصة عندما تكون هناك مسؤوليات مشتركة أو أطفال.
دور الوالدين في اختيار شريك الحياة
وتحدث ميزار عن نقطة محورية تتعلق بمساهمة الأسرة في اختيار شريك الحياة، مؤكّدًا أن دور الوالدين ينبغي أن يتمحور حول النصح والمشورة لا الفرض والإجبار. فحين يشعر الأبناء بأن آرائهم محترمة وأن الأسرة تعمل على مساعدتهم في اتخاذ قرار واعٍ، تتحول الاستشارة إلى عامل إيجابي يعزز الاستعداد للحياة الزوجية ويقلل احتمالات الندم أو الصدام المبكر.
التوازن بين دعم الأسرة وتجنب التدخل
وأوضح الاستشاري الأسري أن نجاح الحياة الزوجية يعتمد أساسًا على التفاهم بين الزوجين، مع وجود دور داعم للأسرة قائم على الحوار والتشاور. فالدعم الحقيقي لا يعني اتخاذ القرارات بديلًا عن الزوجين، وإنما توجيههم إلى أساليب أفضل لإدارة الخلاف، مثل تهدئة الانفعالات، وتحديد نقاط الاتفاق قبل الدخول في الجدل، واحترام الخصوصية الأسرية.
كما أشار إلى أن التدخل غير المدروس قد يزيد المشكلة بدل حلها، لأن الخلافات تتحول إلى صراع على السلطة داخل العائلة، أو تتغذى على الأحكام المسبقة. لذلك يُفضّل أن تكون نصيحة الأهل مبكرة، وتُقدم بلغة هادئة، مع التركيز على مصلحة الأسرة واستقرار الأبناء، لا على تحقيق رغبات شخصية.
ممارسات تساعد على تعزيز الاستقرار قبل وقوع الأزمة
ولتعميق مفهوم الاستقرار الأسري، يمكن للأسرة تبني خطوات عملية مثل: تشجيع الأبناء على الحديث الصريح حول التوقعات والمسؤوليات، دعم مهارات التواصل داخل العلاقة، تعزيز الاحترام المتبادل، وعدم استخدام العائلة كوسيط للتهديد أو الضغط. كذلك من المفيد الاتفاق مبكرًا على آليات حل الخلافات، سواء عبر الحوار الهادئ أو الاستعانة بمستشار عند الحاجة، حتى لا تتفاقم الأمور إلى مرحلة يصعب احتواؤها.
وفي النهاية، شدد ميزار على أن اهتمام الوالدين بمصالح الأبناء يجب أن يظل في إطار الرشد والمساندة لا الهيمنة. فحين تكون النصيحة مدروسة، والحوار حاضرًا، ويتحمل الزوجان مسؤولية قراراتهما، تزداد فرص استمرار الحياة الزوجية وتتحقق حماية أوسع للأسرة من آثار الانفصال.

التعليقات