أكد الدكتور محمد عسكر، استشاري أمن المعلومات والأمن السيبراني، أن سوق العمل لم يعد يقيّم التكنولوجيا باعتبارها تخصصًا منفصلًا، بل أصبحت “لغة مشتركة” تجمع بين مختلف المجالات المهنية. فالتقنيات الرقمية لم تعد تقتصر على العاملين في الحوسبة أو الاتصالات، بل امتدت لتصبح عنصرًا أساسيًا في أداء الموظف داخل أي قطاع.
وأوضح أن امتلاك الحد الأدنى من المهارات الرقمية بات ضرورة واقعية لكل من يعمل في مجالات مثل الطب والهندسة والإعلام والقانون وغيرها. فحتى المهام اليومية داخل المؤسسات تعتمد بشكل متزايد على البيانات والأنظمة الرقمية، ما يجعل فهمها واستخدامها بكفاءة جزءًا من الكفاءة المهنية.
وشدد خلال مداخلة هاتفية في برنامج “صباح البلد” المذاع على قناة “صدى البلد” على أن من أبرز المهارات المطلوبة حاليًا القدرة على التعامل مع البيانات وفهمها وتحليلها. فالموظف الذي يستطيع قراءة المؤشرات واستخلاص المعنى من البيانات يصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات أدق، وتحسين الأداء، وقياس النتائج بدلًا من الاعتماد على الانطباعات فقط.
كما لفت إلى أهمية الإلمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي واستخدامها بطريقة واعية تعزز الإنتاجية دون أن تُضعف مهارات التفكير النقدي. فالتقنية هنا ليست بديلًا عن المنطق، بل أداة تدعم سرعة الإنجاز وتساعد في التنظيم وتحليل المعطيات، مع ضرورة قدرة الشخص على تقييم المخرجات والتأكد من صحتها.
وفي سياق متصل، أوضح أن مهارات الأمن السيبراني الأساسية—مثل حماية الحسابات والبيانات، وفهم أساليب الاحتيال الرقمي، والتمييز بين الرسائل الموثوقة وغير الموثوقة—لم تعد مسؤولية المتخصصين فقط. بل أصبحت ثقافة مهنية ينبغي أن يمتلكها الجميع، لأنها تؤثر مباشرة على سلامة المعلومات وسمعة المؤسسات.
ومن بين الجوانب التي أشار إليها أيضًا ضرورة التعلم الذاتي المستمر والتكيف مع التقنيات الحديثة، إلى جانب العمل عبر المنصات الرقمية. فالكثير من الوظائف أصبحت تعتمد على التعاون عن بُعد، ومشاركة الملفات، وإدارة المشاريع رقميا، ما يتطلب قدرة على التعامل مع أدوات العمل الافتراضي، والتواصل بوضوح، وتوثيق المهام بشكل منظم.
وزاد على ذلك أن أصحاب العمل اليوم ينظرون إلى المرشح بوصفه “صانع قيمة” يستطيع توظيف التكنولوجيا لحل المشكلات، وليس مجرد حامل شهادة أكاديمية. لذا أصبحت صفات مثل التعلم السريع، والقدرة على التعامل مع التغيير بمرونة، والقدرة على تطبيق المهارات التقنية في سياق العمل الواقعي عوامل فارقة في المنافسة داخل سوق العمل الرقمي.
ولتعزيز الاستعداد لهذا العالم، يبرز دور التدريب العملي وبناء مهارات قابلة للقياس: مثل إتقان أساسيات إدارة البيانات، والتعامل مع أدوات التعاون السحابي، وفهم مبادئ الخصوصية، وتعلم سياسات كلمات المرور والتعامل مع التهديدات الشائعة مثل التصيد الاحتيالي. كما يساعد امتلاك “ملف مهارات” يضم أمثلة لمشروعات أو تطبيقات بسيطة (كتحليل بيانات أو إعداد تقارير باستخدام أدوات رقمية) على إظهار القدرة الفعلية أمام جهات التوظيف.
في النهاية، تتجه الوظائف نحو نموذج يجمع بين المهارات التقنية والقدرات الإنسانية مثل التفكير النقدي والعمل الجماعي. وكلما كان لدى الشباب فهم أعمق للبيانات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي واستخدام التكنولوجيا بوعي، زادت فرصهم في التكيف مع الوظائف الجديدة وتحقيق ميزة تنافسية حقيقية.

التعليقات