التخطي إلى المحتوى

تتزايد الدعوات داخل لبنان لتغليب الحلول السياسية على التصعيد العسكري، مع تزايد الخسائر البشرية واتساع رقعة الأضرار التي طالت مناطق متعددة، ما يعزز قناعة متنامية بأن المدخل الأهم لاحتواء الأزمة يتمثل في الوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار. وفي ظل الضغوط الاقتصادية المتراكمة منذ سنوات، باتت المواجهات تُنظر على نحو متزايد بوصفها عاملًا إضافيًا لتدهور الأوضاع المعيشية، وانهاكًا لمؤسسات الدولة، وتأجيجًا للتوترات الداخلية.

وفي هذا السياق، أكد الكاتب الصحفي اللبناني فادي عكوم أن التحركات السياسية الرامية إلى معالجة الأزمة تركز، في المقام الأول، على تثبيت وقف لإطلاق النار باعتباره خطوة عملية لوقف نزيف الدم وخلق مساحة لحراك دبلوماسي أوسع. وأوضح أن استمرار العمليات العسكرية لا يفضي إلا إلى تعميق الانهيار الاقتصادي ومعاناة المواطنين، خصوصًا في المناطق الأكثر تضررًا، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت والقرى الواقعة في جنوب البلاد.

وأشار عكوم إلى أن الحرب تفرض أعباء إضافية على قطاعات حيوية وحكومية، كما تؤثر مباشرة في الخدمات العامة وسلاسل الإمداد، وتزيد من كلفة الأضرار على الاقتصاد الوطني، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى استعادة قدرته على إدارة المرحلة الانتقالية بأقل خسائر ممكنة. كما لفت إلى أن اتساع الدمار وتزايد أعداد المتضررين يطرحان تحديات إنسانية عاجلة، ترتبط بحاجات النزوح والتعافي الصحي وتأمين الاحتياجات الأساسية، فضلًا عن احتياجات الدعم النفسي والاجتماعي للفئات الأكثر تضررًا.

وتبرز في المشهد، وفق القراءة السياسية المتداولة، مخاوف من أن يؤدي إطالة أمد الحرب إلى تهديد الأمن القومي اللبناني، لا سيما مع وجود مناطق ما تزال تعاني من سيطرة أو احتلال أو آثار مباشرة للصراع، إلى جانب قرى تضررت بشكل واسع وتحتاج إلى خطط إنقاذ وإعادة إعمار شاملة. وفي هذا الإطار، تتجه الأنظار إلى ضرورة وضع مسار واضح بعد تثبيت وقف إطلاق النار يشمل تقييم الأضرار، وتحديد أولويات الإغاثة، ثم الانتقال تدريجيًا نحو إعادة البناء.

وعلى المستوى السياسي، لا يزال لبنان يمر بحالة من الانقسام بين القوى المختلفة، سواء على الصعيد الداخلي أو على امتدادات المشهد الطائفي والسياسي. إلا أن ما يتكرر في الاتصالات والبيانات المتداولة هو تزايد توافق اللبنانيين، عبر قطاعات واسعة، على أن إنهاء الحرب والعودة إلى الاستقرار باتا أولوية وطنية تتقدم على أي اعتبارات أخرى. ويُعبّر هذا التوافق عن رغبة في حماية الدولة ومؤسساتها، وتخفيف المخاطر الاقتصادية، وفتح نافذة للتهدئة تتيح استعادة الحياة الطبيعية تدريجيًا.

كما شدد عكوم على أن توجه إنهاء العمليات العسكرية لا يقتصر على فئة سياسية بعينها، بل تمتد إلى شريحة معتبرة من أبناء الطائفة الشيعية والبيئة الشعبية المؤيدة لحزب الله، حيث يرى كثيرون أن التعاطف السياسي لا يتناقض مع المطالبة بوقف القتال، خصوصًا في ظل حجم الخسائر التي تحصدها مختلف المناطق اللبنانية.

وبينما يتطلع اللبنانيون إلى خطوات عملية، تتعاظم أهمية أن ترافق تثبيت وقف إطلاق النار إجراءات مكملة تعالج تداعيات الحرب. ومن أبرز ما يحتاجه لبنان في المرحلة المقبلة: ضمان آليات فعّالة لوقف إطلاق النار ومراقبته، وتسريع إيصال المساعدات للمتضررين، وحصر الأضرار بدقة لوضع خرائط أولويات لإعادة الإعمار، إضافة إلى دعم القطاعات الخدمية المتضررة وتعزيز الاستقرار المجتمعي. كذلك، تبرز الحاجة إلى تفعيل المسار الدبلوماسي لإيجاد إطار يضمن عدم عودة التصعيد، ويحول الوقف إلى تسوية سياسية قابلة للبقاء.

في المحصلة، تشير القراءة العامة إلى أن غالبية اللبنانيين باتوا ينظرون إلى إنهاء الحرب باعتباره ضرورة وطنية تسبق أي حسابات سياسية ضيقة، وأن نجاح المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة الأطراف المعنية على تغليب لغة التهدئة والدبلوماسية، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار الداخلي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *