أكد الدكتور أحمد علي همام، مدير عام هيئة كبار العلماء، أن النبي صلى الله عليه وسلم قدّم نموذجًا تربويًا متكاملًا في التعليم قائمًا على التشويق والحوار وطرح الأسئلة، مع إتاحة مساحة للأصحاب للتفكير والاجتهاد وتبادل الأفكار، بما يرسّخ المعلومة ويجعل أثرها أبقى في الذاكرة.
وشدد همام، خلال حديثه في برنامج «صباح الخير يا مصر»، على أن أساليب التربية النبوية يمكن الاستفادة منها عمليًا في التعامل مع الأبناء والطلاب، خصوصًا مع التحولات التي أحدثها التطور التكنولوجي وانتشار الإنترنت والذكاء الاصطناعي، بما يتيح تحويل وسائل العصر من مصدر للتشتت إلى بيئة داعمة للتعلم.
## التشويق يثبت المعلومة عبر المشاركة
أوضح همام أن من سمات التعليم النبوي استخدام عنصر التشويق؛ إذ لا يكتفي المعلم بعرض المعلومة جاهزة، بل يوجّه المتلقي إلى اكتشافها. ومن أبرز الأمثلة حديث الشجرة التي تشبه المسلم؛ حيث طرح النبي صلى الله عليه وسلم سؤالًا على أصحابه وترك لهم فرصة التفكير في الإجابة، ثم كشفها لهم عندما تهيّأت عقولهم للإدراك.
وبيّن أن هذا الأسلوب يحوّل المتعلم من مستمعٍ سلبي إلى شريكٍ فعّال في الوصول للمعلومة، وهو ما يزيد فرص فهمها واحتفاظها بالذهن؛ لأن الدماغ يفضل المعاني التي تُكتسب عبر سؤال وتجربة عقلية لا عبر تلقين مباشر فقط.
## لا حرج في قول «لا أعلم».. مع احترام المتعلم
وأكد مدير عام هيئة كبار العلماء أهمية الأمانة العلمية؛ فليس من التربية السليمة تقديم معلومات غير صحيحة عند عدم العلم. واعتبر الاعتراف بعدم المعرفة أفضل من الإجابة الخاطئة، مع التأكيد على أن بإمكان الأب أو الأم أو المعلم أن يؤجل الإجابة ويعود للطالب بالبيان الصحيح لاحقًا.
وأوضح أن هذا التصرف يعزز الثقة ويقوي صورة القدوة، إذ يتعلم الطفل أن الخطأ المعرفي ليس عيبًا بحد ذاته، لكن العيب هو التزييف أو الجزم دون دليل. كما استشهد بموقف الإمام مالك الذي كان يقول «لا أعلم» عند الحاجة، مؤكدًا أن ترسيخ قيمة الأمانة العلمية من أبرز ما يجب غرسه في الأبناء.
## من التشتت إلى التعلم: كيف نوجّه الإنترنت والذكاء الاصطناعي؟
لفت همام إلى أن الهواتف والإنترنت والذكاء الاصطناعي يمكن أن تتحول إلى أدوات تعلم نافعة بدلًا من أن تكون سببًا للانشغال، وذلك عبر توجيه الأبناء إلى البحث والتحقق بدلًا من التسليم بالمعلومة الجاهزة.
وأكد أن المطلوب هو جعل الطالب شريكًا في طلب المعرفة: يبحث، يقرأ، يقارن، يسأل، ثم يصل إلى خلاصة. وبهذا يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة مساعدة (مثل تلخيص الأفكار، أو اقتراح مصادر، أو تنظيم خطوات البحث)، لا بديلاً عن الفهم والتفكير.
ومما يعزز هذا النهج وضع «قواعد استخدام» داخل الأسرة أو الصف؛ مثل تحديد وقت للمشاهدة والبحث، ومنع النسخ المباشر، وطلب ذكر المصدر أو سبب اختيار المعلومات، وتحويل المهام إلى أسئلة تقود الطالب للتفسير لا للحفظ.
## تقبل الأفكار الجديدة.. تعليم يتسع للخبرات
تحدث همام كذلك عن مرونة القائد والمعلم في تقبل الأفكار الجديدة، مستشهدًا بمواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع خبرات الصحابة وأفكارهم. واعتبر أن المرونة التربوية لا تعني الفوضى أو ترك الضوابط، بل تعني الاستماع للأهلية المتخصصة في مجالاتها، مع بقاء ميزان الشرع والحكمة.
ومن الأمثلة التي ساقها قصة تأبير النخل، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم». وخلص إلى أن الاستفادة من التخصصات المختلفة تشجع على بناء معرفة أعمق وأقرب للواقع، لأن كل فرد قد يحمل خبرة في جانب.
## نموذج حفر الخندق: التعاون وتنمية القدرات
أشار مدير عام هيئة كبار العلماء إلى أن غزوة الخندق تقدّم مثالًا آخر لتقبل الأفكار غير المألوفة، عندما طرح سلمان الفارسي فكرة حفر الخندق، وهي فكرة لم تكن شائعة لدى العرب آنذاك. وقد قبِل النبي صلى الله عليه وسلم الفكرة، ثم نُفّذت بنجاح.
كما لفت إلى أن توزيع العمل في الخندق أظهر مراعاة الفروق الفردية؛ إذ لم يُطلب من الجميع أداء المهمة بالطريقة نفسها، بل جرى العمل ضمن فرق بما يسمح بمشاركة أصحاب القدرات المختلفة. وهذا يبرز مفهومًا تربويًا مهمًا: ليس الهدف أن يتساوى الجميع في الشكل، بل أن يتكاملوا وفق ما يُحسن كل واحد.
## مراعاة الفروق الفردية: لا مقارنة.. بل اكتشاف موهبة
وشدد همام على ضرورة عدم الوقوع في فخ المقارنات المستمرة بين الأبناء أو بينهم وبين أقرانهم؛ فالله تعالى خلق الناس بقدرات ومواهب متفاوتة. قد يبرز أحد الأبناء في الجانب العقلي، بينما يبرز آخر في الفن أو الرياضة أو مجالات أخرى.
ورأى أن دور الأسرة والمعلم هو اكتشاف هذه المواهب وتنميتها عبر خطط مناسبة، وليس الضغط على الطفل ليصبح نسخة من غيره. ويمكن دعم ذلك بتنوع أساليب التعليم؛ مثل تكليف الطالب بما يناسب نمط تعلمه، وتقديم فرص للتجربة العملية، وقياس التقدم بالتحسن الشخصي لا بالمقارنة.
## «اقرأ».. العلم بداية بناء الإنسان
أكد همام أن الإسلام حث على العلم والتفكير والتدبر، واستدل بأن أول ما نزل من الوحي كان الأمر بالقراءة، بما يدل على مركزية المعرفة في بناء الإنسان.
وبيّن أن التعليم ليس جامدًا، بل يمكن تطوير أساليبه تبعًا للأدوات المتاحة؛ ومن ذلك الاستفادة من الإنترنت والذكاء الاصطناعي باعتبارهما وسائل للوصول إلى المعرفة وتنظيمها، لا غاية بحد ذاتها.
ومع الالتزام بالقيم التربوية مثل الأمانة والصدق وتقبل السؤال وتشجيع التفكير، يصبح التعليم أكثر فاعلية وأكثر ارتباطًا بالواقع، ويخرج المتعلم بمهارات فهم وبحث وتطبيق، لا مجرد معلومات محفوظة.

التعليقات