التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور علي الله الجمال، إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يكتفي بتعليم الناس الأحكام، بل كان يولي اهتمامًا أعمق لاكتشاف المواهب ورعاية المبدعين والمبتكرين، مع إعداد جيل قادر على تحمّل مسؤوليات الأمة. وأوضح أن هذا الاهتمام تجلّى في أساليب تربوية وتعليمية متنوعة تراعي اختلاف قدرات الأفراد واحتياجاتهم، وتستوعب الفروق الفردية بدلًا من تقديم نمط واحد للجميع.

وأشار الجمال، خلال حديثه في برنامج «صباح الخير يا مصر»، إلى أن السيرة النبوية تزخر بنماذج عملية لاكتشاف مواهب الصحابة وتنمية نقاط التميز لديهم. ومن أبرز ما اعتمد عليه النبي صلى الله عليه وسلم في التربية: العصف الذهني، والحوار القائم على التفكير، وضرب الأمثال، وسرد القصص، إلى جانب التكرار لترسيخ المعنى في الذهن. واعتبر أن هذه المنهجية تعلّم المتلقي “كيف يفكر” لا “ماذا يحفظ”، وتدفعه للمشاركة الفعلية في عملية التعلم.

النبي ﷺ يلاحظ نقاط التميز عند كل صحابي

بيّن الدكتور علي الله الجمال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكتشف مواهب الصحابة ويعرف ما يبرز لدى كل واحد منهم، مستشهدًا بتميّز عدد من الصحابة في مجالات مختلفة؛ مثل أبي بكر الصديق في الصلاح والصدق والفقه، وعمر بن الخطاب في الفهم والحزم والإدارة، وعثمان بن عفان في السخاء والحياء، وعلي بن أبي طالب في البيان والحكمة، وزيد بن ثابت في العلم والقراءة، ومعاذ بن جبل في الفقه والتعليم، وأبي عبيدة بن الجراح في الشجاعة وإدارة الجند.

وأوضح أن هذا الأسلوب يمثل دعوة تربوية للآباء والمعلمين والقادة: التعرف على المبدعين والمتميزين، وتقديم بيئة تساعدهم على استثمار قدراتهم بما يخدم الخير العام.

العصف الذهني كوسيلة لتحريك التفكير

ومن بين الأساليب التي شدد عليها الجمال أن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم “العصف الذهني” في التعليم. وضرب مثالًا بحديث النخلة؛ حين طرح على الصحابة سؤالًا عن شجرة لا يسقط ورقها وتشبه المؤمن، ثم تركهم يفكرون ويقترحون قبل أن يوضح الإجابة المقصودة.

وأوضح أن ترك مساحة للتأمل والمراجعة الذهنية قبل تقديم الجواب يجعل التعلم أكثر عمقًا؛ إذ يزيد الانتباه، ويشجع على المشاركة، ويرسّخ المعنى في الذاكرة لأنه نتج عن تفكير المتعلم نفسه.

القصة وضرب المثل لتثبيت المعنى

ولفت الجمال إلى أن من وسائل التعليم النبوي أيضًا ذكر القصص؛ لأن القصة تساعد على تقريب الفكرة، وربطها بسياق إنساني معيش، فتثبت في ذهن المتعلم أكثر من مجرد شرح نظري. كما أشار إلى استخدام النبي صلى الله عليه وسلم لضرب الأمثال لتقريب المعاني المعنوية، ومن ذلك حديث «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد»؛ حيث تُعرض قيمة الأخوة والتعاطف بصورة حسية وسهلة الفهم.

وأضاف أن هذا النوع من التعليم لا يكتفي بالمعلومة، بل يبني سلوكًا أخلاقيًا؛ لأن المثل والقصة يتحولان إلى “صورة داخلية” يعمل الإنسان بمقتضاها.

حسان بن ثابت نموذج لرعاية الموهبة

وتحدث إمام وخطيب مسجد السيدة نفيسة عن حسان بن ثابت باعتباره نموذجًا لرعاية الموهبة. فقد كان حسان من الشعراء الذين استثمروا قدراتهم في الدفاع عن النبي والإسلام، من خلال شعر يحمّس ويعبّر ويؤثر.

وأوضح الجمال أن النبي صلى الله عليه وسلم شجع حسان بن ثابت على توظيف موهبته، وورد عنه قوله: «اهجهم»، كما أُشير إلى أن جبريل عليه السلام كان معه في هذا الدور. واعتبر أن هذا مثال واضح على توجيه الإبداع لخدمة القيم الكبرى لا لإثارة الجدال أو إضاعة الوقت.

التكرار لترسيخ المعلومة والوعي

ومن الأساليب التي توقف عندها الدكتور علي الله الجمال “التكرار”. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يعيد بعض المعاني المهمة للتنبيه والتحذير والتثبيت، كما في حديثه عن أكبر الكبائر عندما كرر التحذير من قول الزور ثلاث مرات. وأوضح أن التكرار هنا ليس تكرارًا فارغًا، بل يأتي في سياق يعلو فيه قدر التحذير، فيصبح أقوى أثرًا في النفس.

الفروق الفردية تُوجّه السؤال والجواب

وأكد الجمال أن النبي صلى الله عليه وسلم راعى الفروق الفردية بين الناس؛ فالسؤال الواحد قد تختلف إجابته من شخص لآخر بحسب حال السائل وقدراته واحتياجه. واستشهد بمواقف سُئل فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن عمل يدخل صاحبه الجنة، فجاءت الإجابات مختلفة تبعًا لاختلاف الأشخاص، ومنها: «لا تغضب»، والصلاة على وقتها وبر الوالدين، والإيمان بالله ورسوله، وعبادة الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

وهذا يبرز – وفقًا للجمال – أن التربية ليست قوالب جامدة، بل هي تشخيص ووعي بطبيعة كل متعلم، واختيار المدخل الأنسب لتحقيق الأثر.

رسالة لأصحاب المواهب: استمر ولا تتوقف

وفي ختام حديثه، وجه الدكتور علي الله الجمال رسالة للشباب الذين يشعرون بأن لديهم قابلية للإبداع أو الابتكار: عليهم ألا يتوقفوا عن العمل، وألا يكتفوا بمجرد الإحساس بالموهبة دون استثمارها في سعي مستمر نحو التطوير. وذكّر بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي اختلاف الطاقات، ويُوجّه كل إنسان إلى ما يناسبه حتى تتراكم النتائج وتنعكس على المجتمع بصورة نافعة.

وخلاصة هذه الرؤية النبوية، كما عرضها الدكتور علي الله الجمال، أن رعاية المواهب ليست مجرد تشجيع عاطفي؛ بل هي منهج متكامل: اكتشاف، وتوجيه، وتدريب، وترسيخ بالأساليب المناسبة، مع احترام الفروق الفردية وتحويل الإبداع إلى أثر أخلاقي ومعرفي مستدام.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *