التخطي إلى المحتوى

أكد بديع قرحاني، مستشار مركز البحوث حول الإرهاب الدولي، أن تفجيرات 11 سبتمبر لم تكن حدثًا عابرًا، بل شكّلت نقطة تحوّل أُعيد من خلالها تعريف الأولويات الأمنية والسياسية لدى الدول الغربية. وذكر خلال حديثه لقناة القاهرة الإخبارية أنه كان موجودًا في أفغانستان في تلك الفترة، وأنه—بحسب روايته—كان من الصحفيين القلائل الذين تمكنوا من الوصول إلى إحدى منازل الضيافة المرتبطة ببيئة التنظيم هناك.

وأوضح قرحاني أنه وصل إلى أفغانستان في 8 سبتمبر، وفي اليوم التالي تم اغتيال مسعود شاه مسعود، قبل أن يبرز—على حد قوله—معنى الصراع من منظور بعض من حولهم. وأضاف أنه يتذكر تصريح أحد الشباب بعد الاغتيال، حين قال إنهم أزلوا “أبرز أعداء حركة طالبان”، وأن ذلك لن يترك أمامهم عقبات جديدة في أي عمل سيقع عليهم بعد ذلك. وتُبرز هذه الشهادة كيف كانت الحسابات المحلية والداخلية للتنظيمات تتداخل مع التحولات الإقليمية والدولية التي ستظهر لاحقًا.

وأشار قرحاني إلى أن تداعيات تفجيرات 11 سبتمبر انعكست سريعًا على مسارات العمل الإعلامي والسياسات الأمنية الغربية. وقال إن جهات طلبت منه مغادرة أفغانستان بعد وقوع التفجيرات، مبررًا ذلك بأن الوضع لم يعد يسمح بأي إجراء صحفي مع مسؤولي تنظيم القاعدة داخل البلاد، وأن القيود الأمنية والإدارية أصبحت أشدّ من السابق، مع تضييق المساحات المتاحة أمام الإعلام والاتصال المباشر.

وفي جانب أوسع من تحليله، تطرق المستشار إلى التحوّلات في نظرة الغرب لمفهوم “الإسلام السياسي”. وأوضح أن الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا تستثمران—في مراحل سابقة—في التيارات المرتبطة بهذا المفهوم، مستندتين إلى تصورات مختلفة حول دوره في السياسة مقارنةً بمرحلة ما بعد 11 سبتمبر. وبيّن أنه كان يُنظر إلى “الإسلام السياسي” في سياق أوسع كظاهرة سياسية يمكن التعامل معها، وليس كخطر مباشر على الديمقراطية والحريات بالدرجة التي ستُطرح لاحقًا.

ولفت قرحاني إلى أنه التقى معظم الإسلاميين الذين وُصموا لاحقًا بأنهم متهمون بالإرهاب في لندن أكثر من الدول العربية، كما أشار إلى لقاءات جرت معه في أفغانستان وباكستان. ويُفهم من حديثه أن شبكات التواصل والتمثيل السياسي—وفق روايته—لم تكن محصورة في مكان واحد، بل امتدت عبر ساحات أوروبية وإقليمية، ثم أعادت أحداث 11 سبتمبر صياغة طريقة تعامل الغرب مع هذه الملفات.

وشدد المستشار على أن التفجيرات غيّرت بشكل جذري “المفهوم الأمني” لدى كثير من الدول الغربية، وتحديدًا الولايات المتحدة، ثم تبعها بعد ذلك تدرّج في النهج داخل بريطانيا وأوروبا. ومع هذا التحول، اتسعت دائرة المراقبة، وشددت الحكومات على سياسات مكافحة التطرف، وأعيد ترتيب أدوات الأمن السياسي والقانوني، بما في ذلك تشديد القيود على السفر والتحقيقات والاتصال، وربط كثير من المسارات السياسية بملفات أمنية.

وبالإضافة إلى ذلك، ترتّبت عن المرحلة الجديدة آثار على المجال الإعلامي والبحثي أيضًا؛ إذ أصبحت القيود على الوصول للمصادر داخل مناطق النفوذ أو تحت سيطرة التنظيمات أكثر صرامة، كما ازدادت حساسية التعامل مع الشخصيات المرتبطة بخطاب “الإسلام السياسي” بسبب تزايد الربط—في السياسات الغربية—بين بعض التيارات السياسية وبين خطر الإرهاب.

ويؤكد قرحاني من خلال شهادته أن فهم تحولات الغرب بعد 11 سبتمبر لا يقتصر على الجانب العسكري أو الأمني، بل يشمل إعادة تقييم كاملة لعلاقة السياسة بالأيديولوجيا، وحدود الحريات في زمن الخوف من التهديدات العابرة للحدود، وكيف انعكس ذلك على قرارات الحكومات وعلى مسار الإعلام والباحثين في مناطق النزاع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *