التخطي إلى المحتوى

تواصل الأراضي الفلسطينية تسجيل تصعيد متبادل على المستويين السياسي والميداني، مع تحركات إسرائيلية تعيد تشكيل واقع الضفة الغربية وقطاع غزة، وتزيد من تعقيد احتمالات أي انفراج سياسي قريب. وفيما تترافق إجراءات متصاعدة في الضفة مع تهديدات تتعلق بمستقبل السيطرة على الأرض ومؤسسات الحكم، تشهد غزة—خصوصًا في شمال القطاع—وتيرة عالية من الاشتباكات والقصف أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين وفق ما نقلته تقارير ميدانية.

في الضفة الغربية، تتواصل سياسات الاستيطان إلى جانب الاقتحامات والاعتقالات، في ظل مخاوف فلسطينية من خطوات قد تتجه نحو ضم أجزاء من الأراضي المحتلة وتعزيز السيطرة الإسرائيلية عليها. كما تتحدث أوساط فلسطينية عن ضغوط تستهدف المؤسسات والتمثيل السياسي، بما يضعف القدرة على إدارة الشأن الداخلي ويزيد حالة عدم اليقين بشأن مسار السلطة الفلسطينية ودورها.

أما في قطاع غزة، فتستمر العمليات العسكرية والقصف، وتتركز بشكل لافت في المناطق الشمالية. فقد شهدت جباليا وبيت لاهيا تطورات ميدانية عنيفة شملت اشتباكات وقصفًا مدفعيًا وغارات جوية، أسفرت عن ضحايا مدنيين. وتبرز التقارير أن وتيرة المواجهات ارتفعت في أوقات متقاربة، مع استخدام تكتيكات متعددة تشمل الطائرات المروحية وعمليات استطلاع وقنابل إنارة لتأمين تحركات القوات.

دراسة فلسطينية: المستوى السياسي الإسرائيلي يدفع نحو تكريس الاستيطان

يرى الدكتور أحمد رفيق عوض، مدير مركز المتوسط للدراسات، أن التصعيد في الضفة الغربية لا يأتي في إطار ميداني منعزل، بل يرتبط—بحسب تقديره—بأهداف سياسية تتبناها المستويات الرسمية الإسرائيلية. ويؤكد عوض أن خطاب “مكافحة الإرهاب” أو “مطاردة الإرهاب” يُستخدم كغطاء لتعزيز الاستيطان، بما ينعكس عمليًا على الأرض من خلال مزيد من الاقتحامات والاعتقالات، وفي بعض الحالات الاغتيالات.

ويضيف عوض أن هذه المقاربة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تمتد إلى ما وصفه بـ“معاقبة الشعب الفلسطيني” ودفعه نحو القبول بمخططات أوسع تهدف إلى ضم الضفة الغربية المحتلة في مرحلة لاحقة. كما يرى أن المسار السياسي يتضمن—وفق هذا الطرح—تقليل مستوى التمثيل السياسي للفلسطينيين، وهو ما قد يصل إلى ضرب بنية السلطة الفلسطينية أو إضعافها بشكل كبير.

ويلفت عوض إلى أن استنتاجه بأن ما يجري في الضفة يتجاوز سياق الانتخابات الإسرائيلية، وأن الاتجاه العام يبدو مستمرًا عبر الحكومات والأشخاص، بدل أن يكون مرتبطًا بظروف موسمية. كما يشير إلى أن جزءًا من الرأي العام الإسرائيلي—وفق ما يعرضه—لا يبدّي حساسية كافية لاستمرار الاحتلال، ما يتيح هامشًا أكبر لاستمرار سياسات الاستيطان والضم، فضلاً عن إجراءات تهدف إلى إخضاع الشعب الفلسطيني وتفكيك مؤسساته.

جباليا وبيت لاهيا: تفاصيل عن غارات وقصف وتطورات ليلية

من جهته، تحدث يوسف أبو كويك، مراسل قناة “القاهرة الإخبارية” من غزة، عن ليلة عصيبة في شمال قطاع غزة، خصوصًا في جباليا وبيت لاهيا. ووفق ما نُقل، تقدمت مجموعات يُعتقد أنها تابعة لجيش الاحتلال بعد منتصف الليلة الماضية نحو وسط مخيم جباليا، حيث اندلعت اشتباكات مع عناصر أمن، وجرى الحديث عن احتمال وقوع القوة في كمين مُعد مسبقًا.

وبحسب الرواية الميدانية، تدخلت القوات الإسرائيلية بسرعة عبر الطائرات المروحية، واستخدام القصف المدفعي، إضافة إلى طائرات الاستطلاع. وذُكر أن القصف المدفعي استهدف منطقة الخلفاء في جباليا، بينما ركزت طائرات الاستطلاع على مناطق قريبة من مستشفى كمال عدوان. كما أطلقت قوات الاحتلال قنابل إنارة—وفق ما ورد—لتأمين تحركاتها وضمان السيطرة على مسار الانسحاب أو الحركة بعد وقوع إصابات.

وتزامن ذلك مع غارة شنتها الطائرات الحربية على مناطق تقع بين جباليا وبيت لاهيا. ومع ساعات الصباح بدأت تتضح آثار الغارة، حيث استهدف القصف مبنى قرب مناطق تخضع للسيطرة العسكرية الإسرائيلية. وأفادت التقارير باستشهاد أربعة أفراد من عائلة واحدة، بينهم رجل وزوجته وطفلتان. وتمكن فريق الإنقاذ من انتشال جثامين ثلاثة من الشهداء، بينما لا يزال جزء من جثمان طفلة تحت الأنقاض، وسط عوائق منعت—بحسب الرواية—فرق الدفاع المدني والإسعاف من العودة لاستكمال عمليات البحث وانتشال الجثمان.

ما الذي تقصده هذه التطورات مستقبلًا؟

يعكس هذا المشهد—كما تتداوله التحليلات—مزيجًا من استهدافات سياسية وأمنية في الضفة، يقابلها تصعيد عسكري واسع النطاق في غزة. ومع استمرار عمليات الاستيطان وتعاظم القيود على الحركة والتنقل في مناطق مختلفة، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الأراضي المحتلة وإمكانية الوصول إلى ترتيبات سياسية تمنع الانفجار الإنساني في القطاع وتعيد الاهتمام بقضايا الحقوق والحد الأدنى من الاستقرار.

في ظل هذا التعقيد، يظل السؤال الأهم: هل تتجه السياسات الإسرائيلية نحو فرض حقائق دائمة على الأرض عبر الاستيطان والضم وتقييد المؤسسات الفلسطينية؟ أم أن هناك مسارًا سياسيًا قادرًا على وقف التصعيد، ووقف النزف البشري في غزة، واستعادة فرص الحل السياسي الذي يضع حدًا لدورة العنف المتواصلة؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *