التخطي إلى المحتوى

أكد الإعلامي حسام الغمري أن طبيعة الحروب في العصر الحالي لم تعد محصورة في ميادين المواجهة التقليدية، بل شهدت انتقالاً واضحاً إلى ما يُعرف بحروب الجيل الرابع والجيل الخامس، إضافة إلى الحروب الهجينة التي تمزج بين العناصر العسكرية والاستخباراتية والسياسية والإعلامية. ووفقاً له، فإن هذا التحول أفرز أدواراً جديدة لم يكن النظام السابق بحاجة إليها بهذا الشكل؛ إذ ظهر ما يشبه “العميل الإعلامي” أو “جاسوس المنصات”، الذي لا يكتفي بنقل المعلومات، بل يسعى إلى تشكيل المواقف وبناء سرديات بديلة بهدف استهداف الجبهة الداخلية واحتلال العقول قبل الوصول إلى الحدود.

وخلال حديثه مع الإعلامية لبنى عسل في برنامج “الحياة اليوم”، أوضح الغمري أن أدوات الجاسوس في الحروب القديمة كانت تقوم على الحبر السري والتصوير بالكاميرات الخفية، بينما يقوم “عميل اليوم” بالعمل عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، مستخدماً نشر الرسائل وتكرارها والتلاعب بسياقها وصولاً إلى الجمهور. واستشهد بتقاطع هذا النمط مع أساليب إيدي كوهين، باعتبار أن المنظومات الحديثة تعتمد على صناعة الأثر النفسي والمعرفي أكثر من اعتمادها على وسائل التجسس الكلاسيكية وحدها.

ولفت الغمري إلى وجود نموذج واضح لما سماه “التخديم المتبادل” بوصفه لعبة إعلامية مكشوفة بين إيدي كوهين وقنوات فضائية مرتبطة بجماعة الإخوان. وتقوم هذه اللعبة—بحسب ما طرحه—على أن تقوم بعض القنوات بعرض فيديوهات أو محتوى تزعم أنه متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، بهدف إكساب الرسالة شكل “الشهادة” أو “التداول الشعبي”، ثم يتم التعمد في الإشارة إلى أن المحتوى مأخوذ عن صفحة كوهين، بحيث يعاود الأخير نشر الفيديو وتقديم تعليق يرسخ السردية ويعيد ضخها في دائرة أوسع. وبهذا الشكل، يتحول المحتوى من مجرد منشور إلى حلقة ترويج متواصلة: قناة تُظهر المحتوى باعتباره “جاء من السوشيال”، ثم كوهين يكرره ويعززه كجزء من سردية أكبر.

وبيّن الغمري أن دور كوهين على منصات التواصل والفضائيات لا يقف عند حد الترويج لسردية معينة، بل يمتد إلى محاولة التأثير على نفسية المواطن المصري والعربي عبر رسائل قصيرة واستفزازية تتضمن أساليب تُظهر صاحبها على أنه واثق ومطّلع، وتستخدم لغة هجومية أو انتقائية لتوليد حالة توتر أو شك أو انقسام. وأكد أن هذه الرسائل تعمل غالباً عبر “الإيحاء” أكثر من تقديم أدلة واضحة، مع تكرار مضمون مشابه بأشكال مختلفة حتى يصبح مقبولاً لدى بعض الفئات نتيجة التعود.

ولتعزيز الفكرة، أضاف الغمري أن المشهد الإعلامي الرقمي يوفر بيئة مثالية لتوسيع الحملات، لأن المحتوى ينتقل بسرعة ويتعرض له عدد كبير من المتابعين، كما أن خوارزميات المنصات قد تدفع بعض الرسائل إلى الظهور وفقاً لمعدلات التفاعل حتى لو كان مصدرها غير موثوق. كما شدد على أن الشائعات قد تُعاد صياغتها وإعادة تدويرها بما يتلاءم مع اللحظة السياسية أو الاجتماعية، بحيث تظل الرسالة الأساسية ثابتة رغم تغيّر تفاصيل العرض.

وختم الغمري بالتأكيد على أن الجمهور—بحسب ما رآه—بات أكثر وعياً بطبيعة عمل هذه الأجهزة والأساليب التي تعتمد على التضليل والتلاعب النفسي وبناء سرديات مضللة، ما يجعل تأثيرها أقل صلابة مقارنة بالمراحل السابقة، خصوصاً مع زيادة قدرة المتابع على التحقق ومقارنة المصادر وقراءة السياق العام للأخبار.

وبذلك، يقدم ما ذكره الغمري نموذجاً لفهم “حروب العقول” في زمن المنصات: حيث يصبح المحتوى الرقمي أداة استراتيجية، ويُعاد توظيفه بين القنوات والصفحات لتشكيل انطباعات وتوجيه الرأي العام قبل أي مواجهة مباشرة، في إطار صراع على الوعي والمعنى والاتجاه.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *