أكد الإعلامي أسامة كمال أن النظر إلى خريطة المنطقة يوضح حجم التوازن الاستراتيجي المعقد الذي تتمتع به مصر، بوصفها دولة تمتلك شبكة علاقات واسعة ومتعددة الاتجاهات، قادرة على التعامل مع التحولات المتسارعة دون فقدان القدرة على التأثير أو الحفاظ على المصالح.
وأوضح كمال، خلال برنامجه على قناة dmc، أن مصر تُعد من الدول القلائل التي تجمع في آن واحد بين عمق العلاقات مع دول الخليج، وتواجدها في محيطات وممرات حيوية، وقدرتها على إدارة تواصل مؤثر مع قوى كبرى مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا. كما أشار إلى امتلاك مصر حضورًا إفريقيًا ينعكس على ملفاتها وتفاعلاتها مع دول الجوار في القارة، بما يتيح لها فهمًا أدق لتعقيدات البيئة الإقليمية وتطوراتها.
وبحسب طرح الإعلامي، فإن دور مصر لا يتوقف عند حدود الدبلوماسية العامة، بل يمتد إلى ملفات شديدة الحساسية مثل ليبيا والسودان، إضافة إلى مناطق ترتبط مباشرة بالأمن القومي والمصالح الاقتصادية، وعلى رأسها البحر الأحمر وشرق المتوسط. فوجود مصر بالقرب من خطوط الملاحة والتأثير على حركة التجارة والطاقة يجعل أي تغير في هذه المساحات ينعكس بشكل مباشر على الاستقرار الإقليمي، وهو ما يفرض على القاهرة أن تكون طرفًا حاضرًا ومؤثرًا في مسارات حل الأزمات.
ولفت كمال إلى نقطة محورية: قدرة مصر على الاحتفاظ بهذه “الخيوط” في وقت واحد، والبقاء في موقع يسمح لها بالمناورة مع كل أزمة تشتعل في المنطقة، خصوصًا مع تزايد الانقسام بين معسكرات متعددة. وأوضح أن تفسير هذا الدور لا يمكن فصله عن جذور تاريخية عميقة، إضافة إلى تراكمات سياسية ومؤسسية جعلت مصر تمتلك خبرة طويلة في إدارة الملفات الإقليمية، والتعامل مع تعقيدات التنافس الدولي دون الوقوع في فخ الاصطفاف الأعمى.
ومن أجل إثراء الصورة بشكل أوسع، يمكن القول إن التوازن الذي تتحدث عنه الرؤية الإعلامية يتجسد أيضًا في قدرة مصر على الجمع بين مقاربات مختلفة: دبلوماسية تهدف إلى فتح قنوات مع جميع الأطراف، ومصالح اقتصادية تدفع نحو الاستقرار، وتحركات سياسية وعسكرية في بعض الملفات عند الحاجة لضمان عدم تحول الأزمات إلى تهديد مباشر على الأمن. كذلك فإن اهتمام مصر بملفات الملاحة والطاقة يعزز وزنها في المعادلات الإقليمية، ويجعلها وجهة متقدمة للحوار عند تصاعد التوترات.
وتحليل هذه المعادلة يبرز أن مصر لا تكتفي بدور “الوسيط”، بل تحرص على امتلاك أدوات التأثير عبر العلاقات والشراكات والقدرة على التواصل مع أطراف متعددة في آن واحد. وفي ظل بيئة إقليمية مليئة بالتحديات—من نزاعات ممتدة إلى منافسة نفوذ بين قوى كبرى—يصبح الحفاظ على شبكة التواصل المتنوعة عنصرًا حاسمًا لضمان استمرار قدرة الدولة على حماية مصالحها ومساندة الاستقرار.
في النهاية، تؤكد الرؤية التي قدمها أسامة كمال أن فهم الدور الاستراتيجي المصري يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة: إنه نتاج خبرة تاريخية، وقراءة دقيقة للخرائط السياسية، وقدرة مؤسسية على إدارة العلاقات مع دول الإقليم والقوى الكبرى بما يضمن لمصر حضورًا مستمرًا ومؤثرًا وسط الأزمات والانقسامات.

التعليقات