التخطي إلى المحتوى

لم يعد خطر الإدمان مقتصرًا على الأضرار الصحية وحدها، بل يمتد ليصل إلى تفاصيل الحياة اليومية ويقلب مسار المستقبل رأسًا على عقب. فالإدمان قد يقود إلى فقدان الوظيفة، وتدهور الأداء الدراسي أو المهني، وتراجع القدرة على الالتزام بالمسؤوليات، وصولًا إلى خسارة العلاقات الأسرية والعاطفية وإنهاء الروابط التي كانت تمنح المتعاطي معنى واستقرارًا. ومع تراكم الأزمات، يصبح اتخاذ قرار العلاج أكثر إلحاحًا، لأن التأخير غالبًا ما يضاعف التكاليف النفسية والاجتماعية ويزيد من احتمالات الوقوع في دائرة من العزلة والضرر.

ومن هذا المنطلق، يواصل صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي تنفيذ حملات توعوية تستهدف بشكل مباشر الشباب والفتيات، في محاولة لنقل الرسالة بعيدًا عن الخطب العامة المعتادة، نحو نمط أكثر تأثيرًا يلامس الواقع. بالتوازي مع جهود التوعية، تعمل الجهات المعنية على توفير مسارات علاج وتـأهيل وتمكين اقتصادي للمتعافين، بما يساعدهم على بناء حياة جديدة واستعادة قدرتهم على الاندماج في المجتمع.

وتكشف تصريحات مدحت وهبة، المتحدث الرسمي باسم صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، أن حملات الصندوق تمثل أحد محاور العمل الأساسية؛ إذ تهدف إلى رفع مستوى الوعي، وتشجيع من لديهم رغبة حقيقية في التوقف عن التعاطي على المبادرة للحصول على خدمات العلاج والتعافي. كما أشار إلى أن حملة «أنت أقوى من المخدرات» كان لها أثر ملحوظ خلال السنوات الماضية، من خلال دعم الوعي العام وتحفيز المرضى على اتخاذ خطوة العلاج بدل الاستسلام لدوامة الإدمان.

## حملة جديدة برسالة درامية: الإدمان يأخذ أكثر من الصحة

ضمن مرحلة جديدة من الحملة، تم إطلاق عنوان يتضمن رسالة مباشرة ومؤثرة: «المخدرات بتاخد منك كل حاجة بتحبيها.. متخليش إدمانك يكتب نهاية حياتك». وتستهدف الحملة على وجه الخصوص الفتيات والشباب، عبر إعلان درامي يبرز نتائج الإدمان كما تظهر في الواقع اليومي.

وتقوم قصة الإعلان على فتاة تواجه سلسلة من الخسائر تبدأ بفقدان العمل، ثم تتطور لتصل إلى مشكلات في حياتها الشخصية وتنتهي بفسخ الخطبة. وتأتي هذه التفاصيل لتأكيد فكرة محورية: الإدمان لا يهدد الصحة فقط، بل يضرب العمل والارتباط العاطفي والمستقبل، ويترك آثارًا ممتدة على سمعة الشخص وثقته بنفسه وقدرته على الاستقرار.

## رعاية الدولة والاستراتيجية الوطنية لمواجهة الإدمان

في سياق متصل، أكد وهبة أن ملف مكافحة تعاطي المواد المخدرة حظي برعاية كريمة من الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهو ما ساهم في إطلاق الاستراتيجية الوطنية لمكافحة تعاطي المواد المخدرة والحد من مخاطر الإدمان. ووفقًا للتوجهات المعتمدة، يجري تنفيذ محاور الاستراتيجية بالتعاون مع مختلف الوزارات والجهات المعنية.

وتشمل هذه المحاور منظومة متكاملة تجمع بين الوقاية والتوعية والعلاج وإعادة التأهيل، بحيث لا يقتصر التعامل مع المشكلة على مرحلة سحب المادة من الجسم، بل يمتد إلى معالجة الجوانب النفسية والاجتماعية التي تقف خلف استمرار التعاطي أو عودته.

## العلاج لا يعني السحب فقط: دعم نفسي وتأهيل اجتماعي وتمكين

يرتكز العلاج داخل مراكز «العزيمة» على معايير دولية، مع التأكيد أن رحلة التعافي تبدأ من لحظة التوقف عن التعاطي لكنها لا تتوقف عند هذا الحد. فإلى جانب الجانب العلاجي المباشر، يتم تقديم دعم نفسي يساعد المتعافين على إدارة الرغبة في التعاطي، والتعامل مع الضغوط، وتصحيح أنماط التفكير والسلوك المرتبطة بالإدمان.

كما يتم التركيز على التأهيل الاجتماعي، وهو عنصر أساسي لتقليل احتمالات الانتكاس عبر إعادة بناء الروابط السليمة وتطوير مهارات التكيف داخل الأسرة والمجتمع. ومن العناصر المهمة كذلك التمكين الاقتصادي بوصفه طريقًا لاستعادة الاستقرار وتحويل التعافي إلى واقع عملي: تدريب مهني وحِرف مهنية يحتاج إليها سوق العمل، إلى جانب دعم المتعافين لبدء مشروعات صغيرة.

وتتسق هذه الخطوات مع رؤية أوسع مفادها أن الاستقرار المادي والمهني يقلل من عوامل الخطر، ويمنح المتعافي فرصًا جديدة للاندماج ويزيد من شعوره بالقدرة على الاعتماد على الذات بدل الاعتماد على مصادر مؤذية أو بيئات تزيد من احتمالات العودة.

## تدريب آلاف المتعافين على حِرف مهنية

وتشير المعلومات إلى أن الأشهر الثمانية الماضية شهدت تدريب نحو 9 آلاف متعافي على حرف مهنية من خلال ورش متخصصة داخل مراكز «العزيمة». كما تم توفير قاعات للكمبيوتر داخل المراكز للمتعافين الراغبين في التعلم واكتساب مهارات تساعدهم على تطوير فرصهم المهنية.

والهدف من برامج التأهيل ليس مجرد إنهاء مرحلة العلاج، بل مساعدة المتعافي على بناء حياة جديدة تتضمن مهنة أو مهارة واستقلالًا تدريجيًا، بحيث يصبح التعافي نقطة تحول حقيقية وليس توقفًا مؤقتًا.

## مواجهة متكاملة: توعية داخل المؤسسات واهتمام بالأسرة

لا تقتصر الجهود على العلاج داخل المراكز، بل تمتد إلى برامج توعوية داخل المؤسسات التعليمية والشبابية، إضافة إلى برامج موجهة للأسرة. ويأتي دور الأسرة في غاية الأهمية، لأن الكشف المبكر وتوفير بيئة داعمة يساعدان في تقليل الفجوة بين اكتشاف المشكلة وخطوة طلب العلاج.

كما يعمل الصندوق على تصحيح المفاهيم المغلوطة المرتبطة بتعاطي المخدرات، وشرح أن التعافي ممكن، وأن خدمات العلاج مجانية ضمن مسارات يتيحها الصندوق للراغبين في البدء. وبهذا يصبح التعامل مع الإدمان عملية متعددة المراحل: وقاية وتوعية، ثم علاج، ثم تأهيل، ثم تمكين يعيد المتعافي لحياته الطبيعية بصورة أكثر استقرارًا.

وبينما تركز الحملات على تحذير الشباب من الخسائر التي قد يسببها الإدمان، تسند الدولة هذا التحذير بخيارات عملية لعلاج حقيقي ومسار تعافي شامل، بما يعزز فرص بناء مستقبل أفضل لمن قرر التغيير.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *