قال الدكتور شفيق التلولي، عضو المجلس الوطني الفلسطيني، إن ما يحدث في قطاع غزة لا يمكن اختزاله في إطار “تحرك أمني” أو اشتباكات عسكرية منفصلة، بل هو جزء من توجهات سياسية واستراتيجية أوسع ترمي إلى إعادة تشكيل المنطقة وإعادة رسم حدود النفوذ. وأضاف خلال مداخلة هاتفية على شاشة “القاهرة الإخبارية” أن هناك تشابهًا واضحًا في طريقة تعامل المؤسسة الإسرائيلية مع غزة وملف لبنان، بما يعكس وجود رؤية تراكمية لدى دوائر صنع القرار في إسرائيل ترتبط بتثبيت السيطرة وإدارة الوقائع على الأرض.
وأوضح التلولي أن العمليات التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة تأتي ضمن سياق أوسع يجري بالتنسيق مع المؤسسة السياسية الإسرائيلية بمختلف مكوناتها، وليست مجرد قرارات عسكرية معزولة. ولفت إلى أن الحكومة الحالية ذات الائتلاف اليميني المتشدد تتعامل مع الحرب باعتبارها أداة توظيف سياسي وانتخابي، بحيث تُستخدم المعارك كورقة ضغط داخلي وخارجي، بالتوازي مع تنفيذ مخططات من شأنها استمرار “البيئة الطاردة للحياة” داخل القطاع، بما يفاقم معاناة السكان ويقوض فرص العودة والاستقرار.
وأشار عضو المجلس الوطني الفلسطيني إلى أن تصريحات مسؤولين إسرائيليين بارزين—ومنهم وزير الدفاع يسرائيل كاتس، وإيتمار بن غفير—حول تهجير الفلسطينيين، لا تعكس مواقف فردية أو تغريدات سياسية عابرة، بل تعبر عن اتجاه حكومي يسعى إلى مواصلة الحرب على الشعب الفلسطيني ليس في غزة فقط، بل في سياقات أوسع تشمل كذلك الضفة الغربية. وبحسب رؤيته، فإن التعامل الإسرائيلي مع الأراضي الفلسطينية يقوم على رؤية أمنية تتقاطع مع مشروع سياسي أكبر، يهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي وفرض وقائع دائمة تخدم المدى البعيد.
وأكد التلولي أن جوهر هذا المشروع يتمثل في رفض أي مسعى لإحياء العملية السياسية أو العودة إلى مسارات تفضي إلى تسوية سياسية عادلة. ورأى أن الإبقاء على واقع الاحتلال هو الخيار الذي يُعطي أفضلية لتنفيذ تصور دولة يهودية أحادية القومية، وهو تصور—كما وصفه—يقوم على إقصاء الفلسطينيين والعرب من المشهد. وشدد على أن تداعيات هذا النهج لا تقف عند حدود قطاع غزة أو الضفة الغربية، بل تمتد آثارها إلى عموم المنطقة عبر توسيع دائرة التوتر وتعميق أزمات النزوح والتهجير.
ولتعزيز فهم طبيعة المخاطر، أشار التلولي إلى أن التصريحات الرسمية المتعلقة بالتهجير، حين تتزامن مع استمرار الحرب وعمليات التجريف والدمار وتضييق الحركة على المدنيين، تتحول من مجرد خطاب إلى سياسة عملية. فالعامل الحاسم لا يتمثل في ما يُقال فقط، بل في ما يُنفذ على الأرض من سياسات مرتبطة بالأمن والسيطرة وإدارة السكان، وما ينتج عنها من تفكك اجتماعي واقتصادي واسع ينعكس على القدرة على الحياة في المكان.
كما شدد على أن أي محاولة لإعادة إنتاج الصراع عبر استهداف المدنيين والنزوح القسري تهدف في النهاية إلى تعطيل فرص التوافق السياسي، وإطالة أمد الاحتلال، ومنع قيام دولة مستقلة ذات سيادة. واعتبر أن استمرار هذا النهج يجعل المخططات التهجرية جزءًا من مشروع سياسي طويل الأمد، وليس مجرد تدبير ظرفي مرتبط بحدث عسكري.
وفي ختام حديثه، أكد التلولي أن مواجهة هذا التوجه تتطلب وعيًا بخلفياته الاستراتيجية، والتحرك على المستويات كافة لوقف الحرب وحماية المدنيين، والتأكيد أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على تهجير الشعوب أو فرض وقائع ديمغرافية بالقوة، بل على تسوية عادلة تحفظ الحقوق وتعيد إحياء الأفق السياسي بدلًا من تكريس الاحتلال.

التعليقات