التخطي إلى المحتوى

أشاد الدكتور صلاح حافظ، رئيس جهاز شئون البيئة الأسبق، بتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم بشأن مشروع «تخضير العاصمة»، مؤكدًا أن هذه التوجيهات تعكس جوهر التشجير وأهميته في تحسين جودة الحياة والحد من آثار التغيرات المناخية، كما يرى أن الاهتمام الحكومي بالمشروع اليوم يعيد فتح ملف كان يعاني من إهمال أو تراجع خلال الفترة الماضية.

وخلال حديثه، شدد حافظ على أن «مفتاح نجاح ملف التشجير» لا يرتبط بزيادة عدد الأشجار فحسب، بل يبدأ بإنشاء منظومة إدارية واضحة تضمن توحيد الجهة المسؤولة عن التنفيذ والمتابعة. وقال إن وجود تعدد الجهات المنفذة قد يؤدي إلى عشوائية في القرارات وتشتت في الموارد؛ فوفقًا لتقديره لا يجوز أن يتولى عشرات أو مئات الأطراف مهمة تشجير المدينة دون إطار موحد، لأن ذلك يفرز مشكلات في التخطيط والتنفيذ والرقابة، خصوصًا مع بدء مشروع ضخم يحتاج لانضباط كامل من «تحت الصفر».

كما طرح الدكتور صلاح حافظ نموذجًا من الواقع التاريخي ليبرز قيمة الشجر المعمّر، مستشهدًا بقصة عائلية تعود إلى بدايات القرن العشرين. وأوضح أن جدّه في عام 1924 امتلك قطعة أرض في منطقة الزمالك ورسمت لها مخططات لبناء عمارة، لكن رفضت الجهات وقتها الرسومات بسبب وجود شجرة معمّرة على الأرض. وبحسب الرواية، طُلب في حال كان من الضروري إزالة الشجرة دفع غرامة وتوفير عدد كبير من الشتلات من نفس نوع الشجر ليتم زراعتها في أماكن متعددة، ما دفع العائلة لاحقًا لتعديل المخططات مع الحفاظ على الشجرة. وأشار إلى أن العمارتين أُقيمت وفق التعديل، وما زالت موجودة حتى اليوم، لافتًا إلى أن هذه القصة كانت تتكرر في العائلة باعتبارها درسًا في احترام البيئة.

وتابع حافظ بأن الأشجار لم تكن مجرد عنصر جمالي، بل كانت جزءًا من نمط عمراني متوازن في بعض المناطق. فوفق روايته، كانت الأشجار في الزمالك تتنوع بين أشجار تحتفظ بخضرتها طوال العام وأخرى تسقط أوراقها، وتنتظم على مسافات وأماكن محددة، وأن ليست كل الشوارع تصلح للتشجير أو تتطلب نفس النمط؛ إذ إن التخطيط كان يأخذ في الاعتبار طبيعة الشارع والبيئة المحيطة.

ومن زاوية أخرى، تحدث عن أخطاء الماضي التي ساهمت في انتشار العشوائيات. وذكر أن الشجرة المعمّرة التي كانت موجودة سابقًا تم بيعها لاحقًا، ثم مرت بمرحلة إجرائية تحت الحراسة، ومع مرور الوقت جرى هدم السور وبناء محلات في الموقع، وشمل ذلك إزالة الشجرة في الخمسينات، واعتبر هذا المثال «بداية» لانحرافات أو عشوائيات ظهرت لاحقًا.

وعن تجربته حين كان رئيسًا لجهاز شئون البيئة، استعرض حافظ كيف تعاملت الجهات مع ملف التشجير بعد صدور قانون رقم 4 لسنة 1994. وقال إن الخطة آنذاك كانت تستهدف التشجير بصورة علمية تشمل المدن والقرى، إلى جانب تشجير الترع وإنشاء أحزمة خضراء في القرى بهدف الحماية من العواصف والحد من تأثيرات التعرية. وأكد أن النجاح كان يتطلب نظامًا متكاملًا وليس مبادرات متناثرة.

وأشار إلى أنه بدأ في التواصل مع المحافظات لاستهداف المناطق التي لا تمتلك نسب تشجير متناسقة، بحيث تتدرج الدولة في رفع المعدلات عبر وضع الميزانيات ومتابعة التنفيذ. وأضاف أنه كان يفاجأ بأن نسبة معتبرة من الميزانيات تُخصص كـ«حوافز»، بينما كان يرفض منطق الحوافز إذا كان يبتعد عن الهدف الأساسي وهو تنفيذ خطة واضحة للتشجير.

كما أقر أن بعض صور التنفيذ تعرضت للتعقيدات مع الوقت، ودخلت فيها وساطات أو ترتيبات غير سليمة، وهو ما أضر بالنتائج. وضرب مثالًا بصوبة في مرتفعات القطامية جرى استئصال نسبة كبيرة منها ثم تنفيذ بنية مخالفة لها لاحقًا، بما يعني أن الموارد قد تُستغل بطريقة لا تخدم أهداف المشروع البيئي.

واختتم الدكتور صلاح حافظ بالتأكيد على ضرورة التخطيط طويل المدى باعتباره الشرط الأهم لنجاح تشجير العاصمة، مع إمكانية إزالة بعض الأشجار التي تسيء للبيئة أو تُحدث آثارًا سلبية، ولكن بشرط وضع جدول زمني واضح لإعادة النظام البيئي الراقي. وأكد أن التشجير الناجح عالميًا يقوم على اختيار النوع المناسب، ونمط زراعة مدروس، واستدامة متابعة، وربط ذلك بإدارة موحدة تمنع الارتجال وتضمن الاستمرارية.

وبالتالي، فإن «تخضير العاصمة» — بحسب رؤية الدكتور صلاح حافظ — ليس مجرد حملات تشجير موسمية، بل مشروع يحتاج إلى حوكمة قوية، ومقاربة علمية، ومحاسبة واضحة، وتخطيط يمتد لسنوات حتى تظهر النتائج على شكل بيئة أكثر صحة وجودة حياة أعلى لسكان العاصمة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *