يرى الكاتب الصحفي علي السيد أن السياسة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية اتجهت—بحسب ما تضمنته تحليلات ودراسات مرتبطة بصنع القرار—لترسيخ واقع الهيمنة من خلال تبني نموذج “القطب الواحد”، أي جعل الولايات المتحدة القوة الأبرز والأكثر تأثيرًا في النظام الدولي. ويؤكد الكاتب أن هذا التوجه لا يُطرح كشعار سياسي فقط، بل يُدار عبر منظومة بحثية وتحليلية تعمل على تقديم تصور لكيفية الحفاظ على التفوق ومنع صعود قوى منافسة يمكن أن تقود لتحولات في موازين القوى.
ويوضح علي السيد أن مراكز الأبحاث والدراسات المرتبطة بمؤسسات صنع القرار الأمريكية—سواء تلك القريبة من دوائر مرتبطة بالبيت الأبيض أو داخل أجهزة الإدارات المختلفة—تقوم بإعداد أوراق بحثية ودراسات دورية حول سيناريوهات العالم المحتملة. وتشمل هذه الدراسات عادةً تقييم قدرات الدول والاتجاهات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ثم اقتراح خطوات تهدف إلى تقليل فرص تراجع النفوذ الأمريكي أو زيادة استقلال حلفائه. ووفق الطرح ذاته، فإن من بين الملفات التي نوقشت وخُطط لها تاريخيًا ملف تنظيم العلاقة مع أوروبا، بما في ذلك خيارات التأثير على مسار ألمانيا الغربية لمنع تحرك فرنسا أو غيرها من الأطراف بعيدًا عن المسار الذي يضمن بقاء واشنطن في موقع القيادة.
كما يتناول الكاتب مثالًا تاريخيًا يتمثل في مرحلة ما بعد وصول أنجيلا ميركل إلى موقع قيادي مؤثر في ألمانيا. فبحسب ما يذكره، كانت ميركل—بوصفها زعيمة امتلكت هامشًا من الاستقلال في إدارة مواقف ألمانيا ضمن بيئتها الأوروبية—تمثل آخر حلقة قادرة على إحداث قدر من التوازن داخل توجهات أوروبا الغربية. إلا أن انتهاء حقبتها، وفق القراءة التي يقدمها الكاتب، أدى إلى تراجع هذا الاستقلال لصالح تبعية أكبر للولايات المتحدة، وهو ما انعكس—كما يقول—في الطريقة التي تعاملت بها أوروبا الغربية في فترات لاحقة مع السياسات الأمريكية.
ولتعزيز هذا الاتجاه، يلفت الكاتب إلى أن المتغيرات السياسية داخل الولايات المتحدة، إضافةً إلى طبيعة التحالفات، يمكن أن تؤثر بسرعة في شكل العلاقة مع الشركاء الأوروبيين. فحين تتبنى واشنطن نهجًا أكثر حدة أو ترتكز على فرض قواعد جديدة للتنسيق، تصبح مساحة المناورة أمام الدول الأوروبية أضيق. ومن هنا تتشكل آليات النفوذ التي قد تظهر في مجالات متعددة مثل المسار العسكري، وتنسيق السياسات الأمنية، والاتفاقات الاقتصادية والتجارية، وحتى في كيفية بلورة المواقف تجاه ملفات دولية كبرى.
وبشكل عام، يشير الطرح إلى أن فكرة “الهيمنة الأحادية” ليست مجرد ملاحظة سياسية، بل ترتبط بمدى قدرة الولايات المتحدة على توجيه مسارات الحلفاء، وتشكيل بيئات إقليمية تمنح واشنطن أفضلية مستمرة. وإذا كانت الحرب العالمية الثانية وما بعدها قد صنعت مناخًا بدأ فيه التوسع الأمريكي عالميًا، فإن استمرار هذا التوجه—بحسب الكاتب—ظهر من خلال تداخل التخطيط البحثي مع القرارات السياسية، ومع أمثلة تاريخية على تأثير واشنطن في أوروبا الغربية عبر مراحل مختلفة.
وفي النهاية، تتلخص الرسالة في أن الهدف—وفق ما ينقله الكاتب—هو الحفاظ على موقع الولايات المتحدة كقطب واحد مسيطر، وأن ذلك يتحقق عبر أدوات متعددة: بحث وتحليل مستمرين، وتوجيه مسارات التحالفات، وإدارة القدرة على تقليل الاستقلال السياسي للدول القادرة على تغيير توازن القوى، وهو ما قد يفسر تتابع أزمات الاستقلال الأوروبي وتزايد الضغوط المرتبطة بالقرارات الكبرى في القارة الأوروبية خلال مراحل مختلفة، وصولًا إلى ما اعتُبر انعكاسًا واضحًا في فترات سياسية محددة مثل فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

التعليقات