في ظل ما تشهده المنطقة من حساسية مفرطة وتوترات تمتد على المستويين الإقليمي والدولي، أكد السفير محمد حجازي—مساعد وزير الخارجية الأسبق—أن المرحلة الراهنة تستدعي من القوى الإقليمية والدولية تكثيف التشاور وتبادل الرؤى حول سبل الخروج من المأزق الراهن. واعتبر حجازي أن البحث عن مداخل جديدة للتفاهم لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد أيضًا إلى الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية التي باتت حاسمة في تشكيل مستقبل الاستقرار.
وأوضح السفير خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية هبة جلال عبر برنامج «مساء جديد» على قناة «المحور» أن العلاقات التاريخية المصرية الصينية تمنح البلدين القدرة على لعب دور مؤثر في هذا السياق. فالتاريخ المشترك بين الحضارتين المصرية والصينية—وفق تعبيره—يؤكد أن لهما حضورًا محوريًا في صناعة الأمن والاستقرار، وأن مسار التعاون بينهما قاد على مدار طويل إلى تحقيق إنجازات متعددة على المستويين الثقافي والاقتصادي، بما يعكس عمق الروابط لا مجرد شراكات آنية.
ولتعزيز فهم المسار الاقتصادي العالمي، أشار حجازي إلى أن الصين كانت حتى منتصف القرن التاسع عشر تمثل الاقتصاد الأول عالميًا بنسبة تقارب 33% من الاقتصاد العالمي، بينما كانت الهند تمثل نحو 25%، في حين لم تكن بريطانيا تتجاوز قرابة 2%. ولفت إلى أن الاحتلال البريطاني للهند مثّل—وفق قراءته—عاملًا أدى إلى تحولات واسعة في بنية الاقتصاد العالمي وإعادة توزيع مصادر القوة والنمو.
وبناءً على هذا التحليل، يرى حجازي أن ما يُطرح اليوم حول عودة الصين إلى مكانتها العالمية لا يعد مجرد تطور اقتصادي عابر، بل يمثل «إعادة ولادة للنموذج الصيني» الذي كان حاضرًا بقوة حتى منتصف القرن التاسع عشر. وأكد أن هذه العودة تتجسد في قدرة الصين على قيادة النمو ليس عبر خطاب نظري، بل من خلال أدوات عملية وشبكات تعاون واستثمار وبناء قدرات.
ومن زاوية العلاقات التنموية بين القاهرة وبكين، أكد السفير محمد حجازي أن الصين أصبحت اليوم شريكًا رئيسيًا في تحقيق التنمية لدى عدد من الدول، بما في ذلك مصر، عبر نهج قائم على التفاهم المشترك والمصلحة المتبادلة بدلًا من تبني نموذج أحادي أو مفرد. ويستند هذا التوجه—بحسب رؤيته—إلى بناء علاقات طويلة الأجل لا ترتبط فقط بمكاسب لحظية، بل ببرامج تنمية ترتكز على تمكين الشركاء وتلبية احتياجاتهم.
كما أكد حجازي أن النموذج الصيني يختلف—من وجهة نظره—عن «العولمة الرأسمالية الشرسة» التي كان لها في حالات عديدة أثر سلبي على اقتصادات دول إفريقية ودول العالم الثالث، إذ أدت إلى استنزاف الموارد وتعميق فجوات التنمية. وفي المقابل، يطرح النموذج الصيني قيمًا جديدة للعولمة تقوم على الاحترام المتبادل، وتحديد الأهداف بشكل مشترك، بما يضمن أن تحقق كل جهة مصالحها ضمن إطار تعاوني.
وزاد السفير بالقول إن الصين تسعى، بكل تأكيد، إلى تحقيق مكاسب مهمة لاقتصادها على الصعيد الدولي، إلا أنها—في الوقت نفسه—تولي اهتمامًا باحتياجات دول الجنوب من التكنولوجيا والمعرفة والدعم التنموي الذي يمكن أن يصنع قيمة مشتركة. وتعزيزًا لهذا المعنى، يمكن النظر إلى التعاون المصري الصيني بوصفه منصة لتبادل الخبرات في مجالات مثل تطوير البنية التحتية، التصنيع، الطاقة، والتحول الرقمي، بما يساعد على رفع الكفاءة الإنتاجية وتحسين فرص التشغيل.
وفي ضوء ما سبق، تتضح أهمية تعزيز التشاور الإقليمي والدولي حول نماذج الشراكة التي لا تكتفي بإدارة الأزمات، بل تضع حلولًا بنيوية. ومن هذا المنطلق، يمثل تقوية العلاقات المصرية الصينية أحد المسارات القادرة على دعم الاستقرار، وتوسيع مجالات التنمية، وتقديم بدائل أكثر توازنًا في مواجهة اضطراب المشهد العالمي.

التعليقات