التخطي إلى المحتوى

حذّر الدكتور مصطفى بدرة، الخبير الاقتصادي، من الممارسات التي تستهدف احتكار السلع أو تخزينها وحجبها عن الأسواق بهدف إعادة بيعها لاحقًا بأسعار أعلى، مؤكدًا أن هذه التصرفات تقوّض آليات السوق وتنعكس بشكل مباشر على المواطنين والاقتصاد الوطني.

وأوضح بدرة خلال حديثه في برنامج «تغطية خاصة» المذاع على قناة «صدى البلد» الذي يقدمه محمد جوهر وأحمد دياب، أن حرية السوق ودعم آليات الاقتصاد الحر لا يعنيان ترك المجال للممارسات الاحتكارية، بل تتطلب قدرة على مواجهة أي سلوك يخلّ بتوافر المنتجات ويؤدي إلى اضطراب في حركة الأسعار.

رقابة فعّالة لكن بذكاء

وشدد الخبير الاقتصادي على ضرورة استمرار الرقابة على الأسواق، ولكن بأسلوب «حكيم» يركز على رصد المخالفات وسد الثغرات التي قد تسمح بتضييق العرض أو التلاعب بالتسعير. وأشار إلى أن الرقابة ينبغي أن تترافق مع رفع مستوى التوعية لدى المستهلكين والتأكد من توافر المنتجات الأساسية بشكل مستمر، بما يساهم في استقرار الأسعار ويقلل فرص حدوث الندرة المصطنعة.

ولتعزيز أثر الرقابة، دعا إلى تطوير آليات متابعة حركة السلع عبر سلسلة التوريد، بما يشمل مراقبة منافذ التخزين والتوزيع، ومراجعة مبررات تقلب الأسعار من خلال بيانات التكلفة والتوفر الفعلي، بدل الاكتفاء بالإجراءات الشكلية. كما شدد على أهمية أن تكون الجهات الرقابية متيقظة للعلامات التي تدل على الاحتكار مثل فجوات العرض المتكررة أو تركز الكميات لدى جهات محددة لفترات طويلة.

رفض فكرة «سوق اليوم الواحد»

وفي السياق ذاته، عبّر بدرة عن رفضه لفكرة «سوق اليوم الواحد»، معتبرًا أن التوسع في إنشاء منافذ استهلاكية بشكل غير منظم قد ينتج عنه ارتباك داخل الأسواق، ويجعل حركة الشراء والتوزيع غير متوازنة. وأكد أن هذه الطروحات، حتى لو بدت كحل سريع، لا تضمن بالضرورة تحقيق أثر مستدام على الأسعار أو تحسين توافر السلع على المدى الطويل.

وأوضح أن الحلول المؤقتة قد تُحدث موجة استهلاك مفاجئة تلتهم المخزون أو تعيد تشكيل الأسعار بشكل غير منطقي، بينما المطلوب هو تنظيم العرض وتحسين استمرارية التوريد وزيادة المنافسة بين الموردين بما يخلق توازنًا حقيقيًا.

لماذا يلجأ بعض التجار للاحتكار أو التخزين؟

وتساءل بدرة عن الدوافع التي قد تدفع بعض التجار إلى تخزين السلع أو احتكارها، موضحًا أن تعطيل التداول الطبيعي داخل السوق يضر بالاقتصاد لأنه يوقف دورة الإنتاج والتوزيع ويؤثر في تدفقات السلع للمستهلكين. كما أشار إلى أن هذا السلوك قد يترتب عليه آثار سلبية تتفاقم مع مرور الوقت، منها ارتفاع الأسعار بصورة متكررة أو اختفاء بعض المنتجات الأساسية لفترات قد تزيد مع ضغوط الطلب أو اضطراب سلاسل الإمداد.

كما شدد على أن احتكار السلع لا يقتصر ضرره على السعر فقط، بل يمتد إلى تقليل خيارات المستهلكين، وزيادة العبء على الأسر، وتشويه المنافسة بين التجار، بما يضعف الثقة في السوق.

حماية المستهلك وتحقيق توازن السوق

وأكد الدكتور مصطفى بدرة أن الحفاظ على توازن الأسواق يتطلب ضمان توافر السلع ومعالجة أي ممارسات تؤدي إلى حجبها، مع الاستمرار في الاعتماد على آليات السوق. وبيّن أن الهدف هو تحقيق توازن بين حرية التجارة وحماية المستهلك، عبر رفع كفاءة الرقابة ورفع مستوى الشفافية في التعاملات.

ولفت إلى أن توازن السوق يتحقق أيضًا عبر دعم المنافسة العادلة، وتسهيل وصول الموردين الجادين للسوق، وتقليل فرص تكوّن الوسطاء أو التجار الذين يتحكمون في السعر عبر التحكم في الكميات. كما دعا إلى تعزيز التنسيق بين الجهات الرقابية والتنظيمية لتبادل المعلومات حول المخالفات المحتملة، وربط قرارات التسعير والعروض بواقع التوفر الحقيقي للسلع.

في النهاية، شدد بدرة على أن مواجهة الاحتكار ليست ضد الاقتصاد الحر، بل هي شرط لنجاحه؛ فحرية السوق تصبح أكثر عدلًا واستقرارًا عندما تقف الرقابة الفعالة ضد أي تلاعب بالعرض أو التسعير، بما يحمي المواطنين ويحد من الضغوط التي قد ترتبط بارتفاع الأسعار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *