التخطي إلى المحتوى

يشارك مارك مراد، مؤسس تطبيق ScribeMe المخصص لخدمة المكفوفين وضعاف البصر، تفاصيل رحلة فقدانه التدريجي لبصره التي بدأت مبكرًا خلال سنوات الدراسة، ثم تحولت مع الوقت من تجربة شخصية مؤلمة إلى دافع حقيقي لتطوير حلول تقنية تساعد أصحاب الإعاقة البصرية على التعلم والحركة والاستقلال.

وفي حديثه ببرنامج «معكم منى الشاذلي» عبر قناة ON، أوضح مارك أنه وُلد مبصرًا بصورة طبيعية، قبل أن يبدأ التغير خلال الصف السادس الابتدائي، حيث لاحظ تدريجيًا أنه لم يعد قادرًا على رؤية السبورة بوضوح أو قراءة الأوراق الدراسية بسهولة.

وبحسب روايته، حاول في البداية تفسير الأمر على أنه ضعف نظر عابر، وأنه يحتاج فقط إلى نظارة طبية، إلا أن الفحوصات المتكررة داخل مصر ثم محاولته الوصول إلى تشخيص أدق عبر السفر إلى الخارج لم تُظهر في البداية سببًا واضحًا ومحددًا لحالته. ومع استمرار التدهور، اتضح في مرحلة لاحقة أنه يعاني من ضعف تدريجي في العصب البصري، وهو ما يفسر التحول الكبير في قدرته على الرؤية مع الوقت.

بين معرفة النهاية وعدم معرفة التوقيت

شدد مارك على أنه كان يدرك أن حالته قد تقوده في النهاية إلى فقدان البصر، لكنه لم يكن يعرف متى سيحدث ذلك بالضبط. وأشار إلى أن الصف العاشر كان من أصعب مراحل حياته، ليس فقط بسبب تأثيره على الدراسة، بل بسبب حالة القلق والترقب المصاحبة لعدم وضوح التوقيت.

وأوضح أنه بدأ العام الدراسي وهو ما يزال قادرًا على الرؤية، لكنه أنهى العام فاقدًا للبصر تمامًا في تحول مفاجئ غير تفاصيل حياته اليومية وطريقة تعامله مع المحيطين به ومع متطلبات الدراسة.

كيف ساعده التعلّق بالتكنولوجيا في مواصلة الدراسة؟

عندما بدأت قدرته على الرؤية تتراجع، لجأ مارك إلى أساليب للتكيف، على رأسها استخدام جهاز آيباد من خلال تكبير الشاشة واستخدام ميزاته لمساعدته في متابعة الدراسة وتنفيذ بعض أنشطته المعتادة، بما في ذلك الألعاب الإلكترونية لفترة، كوسيلة للحفاظ على نوع من الاندماج مع عالمه.

لكن مع استمرار تدهور البصر، وصل إلى مرحلة أصبح فيها من الصعب الاعتماد على هذه الوسائل وحدها. وهنا بدأت تحديات جديدة يومية أكثر تعقيدًا، مثل كيفية الحركة داخل المنزل بمفرده، وكيف يصل إلى الفصل، وكيفية استخدام حافلة المدرسة كل يوم والاستقلال بها دون مساعدة.

وفي تلك الفترة، تغيرت أولوياته بشكل كبير. فبعدما كان تركيزه منصبًا على الدرجات والخروج مع الأصدقاء والمذاكرة، أصبح يضع في مقدمة اهتماماته أمورًا تبدو بسيطة للبعض لكنها كانت بالنسبة له اختبارًا يوميًا للقدرة على التكيف والثقة بالنفس، خصوصًا خلال العام الدراسي الذي انتهى بينما كان ما يزال يتعلم طريقة الاعتماد على نفسه في مواجهة الواقع الجديد.

دور الأسرة: إخفاء التدهور لتخفيف القلق

ولم تكن رحلة مارك فردية بالكامل، فقد كشف المهندس مراد صدقي، والد مارك، عن جانب آخر من التجربة، مؤكدًا أن فقدان البصر ليس حدثًا واحدًا فقط بل عملية معقدة يتكيف خلالها المخ تدريجيًا مع القدر المتبقي من القدرة على الرؤية.

وأوضح الوالد أن مارك كان أحيانًا يخفي مدى تدهور بصره ويقلل من حركته داخل المنزل حتى لا تشعر والدته بالقلق والحزن. ورأى أن هذا الأمر كان يضيف عبئًا إضافيًا على الأسرة، خاصة عندما أشارت الفحوصات إلى أن شقيقة مارك قد تواجه المشكلة نفسها، مع احتمالية فقدان البصر مستقبلًا دون القدرة على تحديد توقيت دقيق لحدوث ذلك.

من المعاناة إلى الحل: لماذا أنشأ ScribeMe؟

بحسب مارك، تحولت تجربة فقدان البصر وما صاحبها من صعوبات في الدراسة والحياة اليومية إلى طاقة إيجابية دفعته لتطوير حلول تكنولوجية تساعد المكفوفين وضعاف البصر على الاعتماد على أنفسهم وتقليل العوائق التي واجهها هو شخصيًا.

ويقوم تطبيق ScribeMe—وفق رؤية مارك—على مبدأ دعم المستخدم في جوانب متعددة مرتبطة بالحياة اليومية والتعلم، عبر توفير أدوات تساعده في التعامل مع المحتوى المكتوب والمهمات التي تتطلب قراءة أو فهمًا بصريًا، بما يعزز الاستقلالية ويقلل الاعتماد الزائد على الآخرين.

ومع توسيع الفكرة، يصبح التحدي الأساسي هو تحويل التكنولوجيا من مجرد وسيلة مساعدة إلى شريك فعّال يرافق المستخدم في خطواته اليومية، سواء في الدراسة أو في التنقل أو في إنجاز المهام بشكل أكثر سلاسة وأقل توترًا.

في النهاية، تقدم رحلة مارك مراد مثالًا على كيفية تحويل الابتلاء إلى مشروع يخدم الآخرين، وكيف يمكن للتجربة الشخصية—رغم قسوتها—أن تتحول إلى ابتكار يفتح آفاقًا جديدة للمكفوفين وضعاف البصر في العالم العربي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *