خلال سبعة عقود من مسيرة العلاقات المصرية الصينية، تطورت الروابط بين البلدين من إطار الصداقة التاريخية والدعم المتبادل إلى شراكة استراتيجية شاملة تتوسع مجالاتها باستمرار، لتصبح القاهرة نقطة ارتكاز بارزة ضمن التحرك الصيني في العالم العربي وأفريقيا. ومع اقتراب احتفال البلدين بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، تبرز أهمية هذه الشراكة في لحظة عالمية وإقليمية تشهد تغيرات سياسية واقتصادية متسارعة، وما يرافقها من تحديات ترتبط بالتجارة والأمن والاستقرار.
وتكتسب العلاقات بين القاهرة وبكين زخمًا متزايدًا بفعل نمو التعاون التجاري والاستثماري، وارتفاع حجم المشروعات التي تنفذها الشركات الصينية في مصر، ولا سيما في مناطق ذات أولوية اقتصادية مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس والعاصمة الإدارية الجديدة. كما تمتد آفاق الشراكة إلى قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة الجديدة والمتجددة والهيدروجين الأخضر وتطوير البنية التحتية، بما ينسجم مع احتياجات التنمية المصرية ورؤية الصين لتعزيز سلاسل الإمداد والاستثمار على مستوى أوسع.
ولا يقتصر التعاون على الجوانب الاقتصادية فحسب؛ بل تتزايد أهمية التنسيق السياسي والاستراتيجي بين الطرفين، خاصة في ظل توترات تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والحاجة إلى جهود دولية داعمة للسلام والاستقرار، وحماية طرق التجارة وتعزيز قابلية الاقتصاد الإقليمي للصمود أمام الأزمات. وفي هذا السياق، يصبح دور الشراكة المصرية الصينية جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بتأمين حركة التجارة الدولية وتخفيف آثار عدم الاستقرار على التنمية.
ومع الانتقال إلى مرحلة جديدة من التعاون، تطرح الشراكة المصرية الصينية أسئلة عملية حول مستقبلها وقدرتها على تحويل العلاقة التاريخية إلى مشروعات أكثر عمقًا واستثمارات مستدامة، وتوسيع مجالات التعاون الفني والعلمي والتعليمي، بما يحقق مكاسب متبادلة ويعزز موقع مصر كبوابة للصين إلى أفريقيا والمنطقة العربية.
نادر رونج: الصين ترى مصر شريكًا محوريًا لتعزيز الاستقرار وتأمين طرق التجارة
أكد نادر رونج، عضو مجلس إدارة الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط، أن الصين تعتبر مصر البوابة الرئيسية لها في المنطقة العربية وقارة أفريقيا، مشيرًا إلى أن البلدين تجمعهما صداقة تقليدية وتواصل قائم على تبادل الدعم تجاه المصالح الجوهرية لكل طرف. وأضاف أن مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية، وقدمت دعمًا للصين في مناسبات دولية متعددة.
ورأى رونج أن التعاون بين البلدين يحقق فوائد ملموسة للشعبين، مؤكدًا أن مصر تمتلك إمكانيات كبيرة للتطور في المرحلة المقبلة، وأن قيادة الرئيس المصري تفتح مساحات أوسع لتعميق التعاون. ولفت إلى أن الشراكة لا تقوم فقط على تنفيذ مشروعات، بل تمتد إلى طبيعة التفاعل السياسي بين الطرفين، حيث يشير إلى وجود حالة من التكامل والمرونة في التعامل بما يخدم أهدافًا مشتركة.
كما شدد على أن التوترات في منطقة الشرق الأوسط تجعل التنسيق الاستراتيجي بين مصر والصين أكثر أهمية للحفاظ على السلام والاستقرار، مع التأكيد في الوقت نفسه على استمرار تنفيذ مشروعات تعاون واسعة ومتعددة. ومن الأمثلة التي أشار إليها رونج مشروعات البنية التحتية والإنشاءات التي تقودها شركات صينية في مصر، مثل ممرات قناة السويس، وكذلك مشروعات الإنشاءات في العاصمة الإدارية الجديدة.
السفير عزت سعد: زيارة الرئيس الصيني تدفع الشراكة نحو تعاون أعمق اقتصاديا
من جانبه، أكد السفير عزت سعد، مساعد وزير الخارجية الأسبق، أن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تحمل أهمية على مستويين؛ أولها تعزيز العلاقات الثنائية، وثانيها الدفع نحو مزيد من التعاون الاقتصادي بعد أن كانت العلاقات قد انطلقت منذ عام 2014 بوصفها علاقات استراتيجية شاملة.
وأوضح سعد أن العلاقات شهدت خلال السنوات الماضية تطورًا ملحوظًا انعكس في مجالات متعددة، لافتًا إلى أن الصين أصبحت الشريك التجاري الأكبر لمصر. وذكر أن حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025، مع الإشارة إلى أن الصادرات المصرية إلى الصين شهدت تحسنًا وقوة دفع ملحوظة في الفترة الأخيرة.
وأشار أيضًا إلى التمويل التنموي الذي قدمته الصين لمصر بقيمة تقارب 1.7 مليار دولار، بما يعكس اهتمامًا بالتنمية وتعزيز القدرات الاقتصادية. كما تحدث عن نمو الاستثمارات الصينية في مصر، وخصوصًا داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، موضحًا أن عدد الشركات الصينية العاملة في مصر يتجاوز 150 شركة.
وأكد سعد أن الزيارة المرتقبة تمثل فرصة مهمة لتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية إلى مستويات أوسع، فضلًا عن تعزيز التعاون الفني والعلمي والتعليمي. كما ركز على مجالات ذات أولوية مشتركة مثل الطاقة الجديدة والمتجددة والهيدروجين الأخضر وغيرها من مجالات التحول الصناعي والطاقي.
آفاق أوسع للتعاون في السنوات المقبلة
بناءً على ما سبق، يمكن توقع أن تركز المرحلة المقبلة من الشراكة المصرية الصينية على تعزيز سلاسل القيمة وليس مجرد تبادل تجاري، وذلك عبر توطين الصناعات المرتبطة بالبنية التحتية، وتوسيع مجالات التصنيع والخدمات اللوجستية المرتبطة بالموانئ والمناطق الاقتصادية. كما قد تتجه الجهود إلى دعم مشروعات الطاقة النظيفة وتحسين كفاءة الطاقة، وإعداد أطر تعاون أوسع لتبادل الخبرات في مجالات البحث والتدريب، بما يرفع من جاهزية الكوادر المحلية ويخلق فرص عمل أوسع.
وفي خضم التحولات الإقليمية، تظل مصر — بحكم موقعها الجغرافي ودورها التنموي — مرشحة لتعزيز مكانتها كمنصة عبور واستثمار، بينما تسعى الصين إلى توسيع وجودها الاقتصادي وفق نماذج شراكة تخدم الجانبين. وهكذا، تستمر الشراكة المصرية الصينية في الانتقال من مرحلة الاتفاقات العامة إلى مرحلة تنفيذ أعمق، توازن بين احتياجات التنمية الوطنية وتطلعات الاستثمار طويلة الأجل.

التعليقات