كشفت دراسة علمية حديثة عن احتمالٍ تقنيٍ مثير للجدل يتمثل في استخدام ما يُشبه “واقي شمس للأرض” عبر حقن الهباء الجوي في طبقة الستراتوسفير. تقوم الفكرة على إطلاق جزيئات عاكسة في الغلاف الجوي العلوي لتقليل جزء من الإشعاع الشمسي الواصل إلى سطح الأرض، بهدف تخفيف آثار الاحترار العالمي، وبالأخص موجات الحر التي تضرب المحيطات.
وتقود الدراسة الباحثة لالا كونتا من جامعة ولاية ميشيجان بالولايات المتحدة، بالتعاون مع فريق من الباحثين، حيث اعتمدت على نماذج مناخية لمحاكاة أثر ما يُعرف بـ“الهندسة الجيولوجية الشمسية” على موجات الحر البحرية. نُشرت النتائج في دورية Environmental Research: Climate، وتسلّط الضوء على نطاق الفوائد المحتملة، لكنها في الوقت نفسه تؤكد محدودية هذه المقاربة وعدم صلاحيتها كبديل عن خفض انبعاثات غازات الدفيئة.
كيف تعمل تقنية “الهندسة الجيولوجية الشمسية”؟
تقوم الفكرة على حقن ثاني أكسيد الكبريت (SO2) في طبقة الستراتوسفير. وبمجرد وصوله إلى الغلاف الجوي العلوي، يتفاعل ثاني أكسيد الكبريت مع بخار الماء ومكوّنات كيميائية أخرى، ليؤدي إلى تكوين جزيئات دقيقة من الهباء الجوي قادرة على عكس جزء من أشعة الشمس قبل وصولها إلى سطح الأرض. ووفقًا للدراسة، فإن هذه الآلية تحاكي ظاهرة طبيعية حدثت بعد الثورات البركانية الكبرى، حيث تُطلق البراكين كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكبريت تتحول إلى جسيمات تعكس الإشعاع الشمسي مؤدية إلى تبريد مؤقت.
ومن الأمثلة التي تُستشهد بها عادةً ثوران جبل بيناتوبو في الفلبين عام 1991، إذ ارتبط بانخفاض متوسط درجة حرارة الأرض بنحو 0.6 درجة مئوية استمر تقريبًا لعامين. وتشير الدراسة إلى أن الاستفادة من “الأثر البركاني” يمكن أن توفر تهدئة نسبية للحرارة المتراكمة في النظام المناخي.
خفض موجات الحر البحرية: أرقام من نماذج المناخ
توضح نتائج المحاكاة أن حجم التأثير يرتبط بشكل كبير بكمية الهباء الجوي المحقونة في الستراتوسفير وبحساسية المحيطات للاستجابة المناخية. وفي السيناريو الأكثر اعتدالًا، والذي يستهدف إبقاء متوسط حرارة الأرض عند نحو 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية، تشير النماذج إلى إمكانية حماية ما يقارب 20% إلى 25% من محيطات العالم من تفاقم موجات الحر البحرية.
أما في السيناريو الأقوى، فتزداد فعالية التدخل بصورة ملحوظة، حيث يمكن أن تصل نسبة المناطق/الأجزاء التي تستفيد إلى نحو 75% من المحيطات وفقًا للبيانات النموذجية. وتظهر أكبر المكاسب في مناطق محددة، خصوصًا:
– المحيط الأطلسي الاستوائي
– المحيط الهندي
– المحيط المتجمد الشمالي
– جنوب المحيط الأطلسي
ورغم ذلك، تبرز نقطة مهمة: التأثير لا يبدو موزعًا بالتساوي على جميع أنحاء العالم. إذ قد تبقى بعض المناطق—خصوصًا أجزاء من شمال الأطلسي وبالقرب من المحيط الهادئ والمحيط الجنوبي—معرّضة لموجات حر أكثر شدة وطولًا مقارنةً بغيرها، ما يعني أن “الاستفادة” ستكون غير متجانسة جغرافيًا.
لماذا تعتبر هذه التقنية أداة إضافية لا “حلًا نهائيًا”؟
تؤكد الدراسة أن خفض درجات الحرارة لا يعني معالجة السبب الجذري للاحتباس الحراري. فالحقن في الستراتوسفير قد يقلل الإشعاع الشمسي الوافد وبالتالي يخفف الحرارة، لكنه لا يلغي ثاني أكسيد الكربون المتراكم في الغلاف الجوي. ونتيجة لذلك، قد يستمر التأثير الآخر طويل الأمد المتمثل في تحمض المحيطات، حيث ترتبط هذه المشكلة أساسًا بزيادة تركيز CO2 في المياه.
كما يشير الباحثون إلى أن تأثير الهندسة الجيولوجية الشمسية قد يمتد إلى مجالات أخرى مثل أنماط الهطول والأمطار والزراعة وإنتاجية النظم البيئية البحرية. ورغم أن الدراسة ركزت على موجات الحر البحرية، فإن حجم التأثيرات الجانبية—سواء الإيجابية أو السلبية—ليس مفهومًا بالكامل بعد، ما يجعل تطبيق التقنية على أرض الواقع مسألة حساسة للغاية وتتطلب دراسات أوسع.
وتشدد الدراسة على أن تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري يظل الإجراء الأكثر أهمية لمعالجة تغير المناخ. وبعبارة أخرى، لا تقدم النماذج “وصفة سحرية” لتبريد الكوكب، وإنما تقدم دليلاً على أن حقن الهباء الجوي في الستراتوسفير يمكن أن تعمل كخيار إضافي لتخفيف بعض جوانب الاحترار، تحديدًا موجات الحر البحرية، ضمن حدود علمية وأخلاقية وتقنية ينبغي التعامل معها بحذر.
وفي ظل تزايد موجات الحر البحرية عالميًا وتأثيرها على الشعاب المرجانية والأنظمة الغذائية البحرية وصيد الأسماك، قد تبدو هذه المقاربة—إن وُجدت لها ضمانات—جزءًا من حزمة حلول مستقبلية. لكن قبل التفكير في أي استخدام عملي، تبقى الحاجة قائمة إلى فهم المخاطر المحتملة، ومعرفة كيف يمكن تحقيق توازن بين تقليل الحرارة وتفادي اضطرابات أوسع في المناخ والنظم البيئية.

التعليقات