التخطي إلى المحتوى

تكشف دراسة صادرة عن مركز الفضاء الألماني DLR تصورًا لصاروخ أوروبي قابل لإعادة الاستخدام يحمل اسم RLV C5، وتسعى الدراسة من خلاله إلى طرح بديل أكثر كفاءة من منصة Starship التابعة لشركة SpaceX، بشرط أن ينتقل المشروع من مرحلة النمذجة والبيانات العامة إلى الاختبارات الفعلية. وقد اعتمدت الدراسة على تحليل معلومات منشورة علنًا عن Starship، بما في ذلك بيانات القياس عن بُعد من بثوث الإطلاقات، ثم تمت معالجة هذه البيانات عبر خوارزميات للتعرّف على النصوص واستخراج مؤشرات تشغيلية تساعد في بناء تقديرات أداء جديدة.

يركز RLV C5 على هدف رئيسي يتمثل في زيادة نسبة كتلة الصاروخ التي يمكن تحويلها إلى “كتلة مفيدة” تصل إلى المدار الأرضي المنخفض. وتشير الدراسة إلى أن التصميم الأوروبي قد يتمكن من إيصال ما يصل إلى 74% من كتلة الصاروخ إلى مدار أرضي منخفض، مقارنةً بتقديرات تقارب 40% تخص Starship وفق المعطيات التي استندت إليها الدراسة. وتُعد هذه الأرقام، في حال ثبوتها بالتجارب، قفزة مهمة باتجاه تقليل تكلفة الإطلاق وتحسين القدرة على تكرار الرحلات.

## تصميم مختلف عن Starship
على الرغم من أن RLV C5 يُتوقّع أن يكون قريبًا من Starship في الحجم، فإن فلسفة العودة إلى الأرض تختلف بشكل جوهري. فنهج SpaceX يعتمد على فصل المرحلة الأولى Super Heavy عن باقي المنظومة، ثم عودة المرحلة الأولى إلى موقع الإطلاق باستخدام محركات Raptor، قبل أن تقوم أذرع برج Mechazilla بالتقاط المرحلة أثناء العودة. هذا الأسلوب يتطلب كميات إضافية من الوقود لإبطاء الصاروخ بعد خروجه من المدار والمرور عبر الغلاف الجوي للوصول إلى سرعة مناسبة لعملية الالتقاط.

في المقابل، يقترح التصميم الأوروبي تزويد المرحلة الدافعة الخاصة بالمفهوم المسمى SpaceLiner بأجنحة تسمح لها بالانزلاق داخل الغلاف الجوي بدل الاعتماد على نفس أسلوب الإبطاء والالتقاط. ثم يتم التقاط هذه المرحلة في الجو بواسطة طائرة مخصصة أقل سرعة من سرعة الصوت. ويستند هذا الجزء من الفكرة إلى مفهوم SpaceLiner الذي بدأت أعمال تطويره منذ عام 2005، وهو ما يمنح المشروع تاريخًا أطول من مجرد دراسة حديثة، حتى وإن بقيت تفاصيل التحويل إلى نظام إنتاج جاهز للإطلاق غير مكتملة.

## الهيدروجين بدلًا من الميثان
من نقاط التباين الأساسية أن RLV C5 يركز على استخدام الهيدروجين السائل والأكسجين السائل كوقود، بدلًا من مزيج الميثان والأكسجين المستخدم في Starship. وتُعزى ميزة الهيدروجين غالبًا إلى كفاءته الأعلى من ناحية الطاقة النوعية مقارنة ببعض البدائل، ما قد يساعد في تحسين الأداء العام وزيادة قدرة المنظومة على إيصال الحمولات إلى المدار.

لكن اختيار الهيدروجين يفرض تحديات هندسية وتقنية كبيرة. فالهيدروجين يتطلب تخزينًا بدرجات تبريد شديدة، كما ترتبط به مشكلات مرتبطة بعزله الحراري ومعدلات تسرب الغاز وإدارة الغليان داخل الخزانات. إضافة إلى ذلك، فإن التعامل مع الهيدروجين في منظومات الدفع والتموضع الحراري والاتزان الديناميكي أثناء العودة يتطلب مستوى متقدمًا من المواد والتصميمات الأرضية والاختبارات المتكررة لضمان الاستقرار والسلامة.

## RLV C5 لا يزال مجرد مفهوم
رغم أن الأرقام التي تقدمها الدراسة تبدو واعدة، فإن RLV C5 يبقى حتى الآن في مرحلة التصميم والدراسة النظرية، ولم يتحول إلى صاروخ فعلي يتم اختباره وإطلاقه بشكل تجريبي. وتبرز العقبات الرئيسية في الحاجة إلى تطوير منظومة كاملة تشمل المحركات، ونظام الدرع الحراري، وتكامل مرحلة الانزلاق والالتقاط، بالإضافة إلى إثبات قدرة SpaceLiner نفسها على تنفيذ رحلة عودة وهبوط بالسيناريو المقترح.

كما أن مفهوم SpaceLiner ورغم بدء تطويره منذ سنوات طويلة، لم يصل بعد إلى مرحلة الإنتاج الفعلي على نطاق يضمن جاهزية تشغيلية متكررة. وهذا يجعل تنفيذ المشروع—إن حدث—مرتبطًا بتجاوز سلسلة طويلة من اختبارات الديناميكا الهوائية، والحرارة، والاتصال والتحكم أثناء المناورات، والاختبارات الأرضية للمحركات وخزانات الوقود.

إلى جانب ذلك، يظل عنصر “الزمن” مهمًا في أي منافسة مع SpaceX. فنهج الشركة الأمريكية يقوم على تطوير سريع قائم على الاختبارات المتكررة وتحديث التصميم بشكل مستمر بناءً على نتائج فعلية، وهو ما قد يؤدي إلى اختلاف أداء Starship قبل أن يصل أي بديل أوروبي إلى مرحلة استثمار واسعة أو إنتاج واسع النطاق.

## أوروبا تبحث عن بديل لصواريخ SpaceX
يأتي هذا الطرح في سياق أوسع يتمثل في رغبة أوروبا في تعزيز قدراتها في الإطلاق إلى المدار ضمن منظومة أقل تكلفة وأكثر قابلية لإعادة الاستخدام. فأوروبا تمتلك شركات وبرامج لإطلاق الأقمار الصناعية، وتعد Arianespace أحد أبرز المشغلين، حيث تستخدم صاروخ Ariane 6 من مركز جويانا الفضائي. لكن Ariane 6 يظل—وفق النموذج الحالي—صاروخًا مستهلكًا بالكامل، ما يعني أن تكلفة كل عملية إطلاق لا تزال مرتبطة بعوامل تصنيع مرحلة الإقلاع وإعادة بنائها.

بالتوازي، تعمل مبادرة European Launcher Challenge التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية على دعم شركات أصغر تطور صواريخ جديدة قابلة لإعادة الاستخدام أو أكثر كفاءة. ومن الأمثلة Isar Aerospace التي أجرت محاولة إطلاق لصاروخ Spectrum من ميناء Andøya الفضائي في النرويج خلال مارس 2025، إلا أن المحاولة لم تنجح في الوصول إلى المدار. كما تبرز MaiaSpace، التابعة لمجموعة ArianeGroup، التي تعمل على تطوير صاروخ Maia قابل لإعادة الاستخدام على مرحلتين، مستفيدة من دروس إعادة الاستخدام التي جعلت صاروخ Falcon 9 أكثر كفاءة في عمليات الإطلاق لدى SpaceX.

في النهاية، يقدم RLV C5 تصورًا طموحًا لصاروخ أوروبي قابل لإعادة الاستخدام قد يرفع الكفاءة إلى مستويات عالية جدًا في نقل الحمولات إلى المدار. لكن الفارق بين الأرقام المأخوذة من النمذجة وبين صاروخ يتم بناؤه واختباره فعليًا يظل كبيرًا. لذلك، يبقى الحديث عن تفوق RLV C5 على Starship—وفق هذه المرحلة—توقعًا مبنيًا على التصميم والافتراضات، لا نتيجة مثبتة بالتجارب حتى الآن.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *