التخطي إلى المحتوى

نصحت استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين الدكتورة سحر داود الأهل بالتعامل مع مرحلة المراهقة باعتبارها فترة انتقالية تحتاج إلى حضور ذكي وتواصل هادئ، بدلًا من محاولات السيطرة أو إجبار الأبناء على التخلي عن اهتماماتهم. وأكدت أن فهم اهتمامات المراهق ومشاركته ما يحب—ضمن حدود واضحة—يساعد على تعزيز الثقة ويجعل العلاقة داخل الأسرة أكثر متانة.

# الاقتراب من عالم المراهق دون فقدان الحدود
أشارت داود إلى أن أفضل بداية تكون بالاقتراب من عالم الابن أو الابنة: فهم طريقة تفكيرهم، وطبيعة اهتماماتهم، وما الذي يشغلهم يوميًا. كما شددت على أهمية أن يتم الاستماع دون سخرية أو إصدار أحكام متسرعة، لأن النقد السريع قد يدفع المراهق إلى الانسحاب أو الكذب لتجنب المواجهة. ويرتبط ذلك بضرورة دعم الحوار داخل الأسرة، بحيث يشعر المراهق أن صوته مسموع وأن مشاعره مفهومة.

ومن النقاط الجوهرية التي أشارت إليها ضرورة احترام خصوصية المراهق. فالموازنة بين الخصوصية وبين إشعاره بأهمية رأيه داخل الأسرة هي مفتاح للحد من التوتر. يمكن تحقيق ذلك عبر طلب المشورة في أمور مناسبة لسنه، والاستماع للأفكار ثم اتخاذ القرار بطريقة مشتركة عندما يكون ذلك ممكنًا، حتى لا يشعر بأنه مجرد منفّذ أو “مُدار” دون اعتبار.

# تخصيص وقت تجمع الأسرة للحوار الحقيقي
لتحسين جودة العلاقة، أوصت داود بتخصيص أوقات محددة تجمع الأسرة وتمنح مساحة للحوار والتواصل بعيدًا عن الصراخ أو المقاطعة. فوجود “طقس أسري” منتظم—مثل جلسة أسبوعية خفيفة أو وقت ثابت للنقاش—يسهّل على المراهق التعبير عن نفسه ويجعل الأسرة بيئة آمنة. وفي هذه الأوقات، يُفضّل طرح أسئلة مفتوحة بدلًا من الأسئلة التي تحمل اتهامًا، مثل: “ما أكثر شيء أزعجك اليوم؟” أو “ما الذي جعل يومك أفضل؟”.

# معرفة الأصدقاء والبيئة مع رقابة متوازنة
أكدت الاستشاري أن معرفة الأهل بأصدقاء المراهق والبيئة المحيطة به أمر مهم، لكن بشرط أن تكون المتابعة متوازنة وليست تضييقًا أو تدخّلًا مفرطًا. فالرقابة ينبغي أن تتحول إلى متابعة ذكية تقوم على المعرفة والحوار لا على المراقبة الصارمة. فالمراهق يحتاج إلى أن يفهم سبب القواعد، وليس فقط أن تُفرض عليه.

# تجنب تحويل العلاقة إلى “صداقة” بدلًا من الدور الأبوي
من أهم التحذيرات التي قدمتها داود: عدم تحويل علاقة الوالدين بأبنائهم إلى علاقة “صداقة” بالمعنى الذي يفقد الأسرة دورها التربوي. فالمراهق، رغم حاجته للاستقلال، ما يزال بحاجة لأهل يقدمون الدعم والنصح والتوجيه، ويضعون قواعد واضحة ومتفقًا عليها قدر الإمكان. وعندما تُستبدل القواعد بتخفيف الحدود أو بالمسايرة الدائمة، قد تتراجع المسؤولية ويزداد الارتباك لدى المراهق.

# منح الاستقلال مع مسؤولية واضحة
بدلًا من السيطرة، يمكن للأهل منح مساحة من الاستقلال في حدود مسؤولة. ويظهر ذلك في أمثلة عملية: ترك قرار اختيار بعض الأنشطة أو طريقة تنظيم الوقت للمراهق ضمن خطة عامة، أو منحه فرصة تحمل نتيجة قراراته تدريجيًا. وعند الوقوع في أخطاء، يكون التعامل منصبًا على التعلم لا على الإهانة أو التوبيخ العنيف.

# إضافة معلومات عملية لتعزيز النتائج
لتحقيق تواصل أفضل، يمكن للأهل تطبيق مبادئ مساعدة مثل:
– **اللغة الهادئة بدل المواجهة**: عند ظهور مشكلة، ابدأ بوصف السلوك (“لاحظت أنك…”) بدلًا من إطلاق حكم على الشخصية (“أنت…”).
– **الالتزام بالقواعد بشكل عادل**: ثبات القاعدة يقلل التفاوض المتكرر ويشعر المراهق بالوضوح.
– **تعزيز الإيجابيات أولًا**: مدح الجهود والسلوك الإيجابي يساعد على تقوية الدافعية الداخلية بدلًا من الاعتماد على الخوف.
– **متابعة وسائل التواصل بحوار**: بدل المنع الكامل، يمكن التحدث عن مخاطر المحتوى، ووضع قواعد استخدام واقعية.

في النهاية، شددت داود على أن الهدف ليس السيطرة على المراهق ولا استبدال العلاقة بالأصدقاء، بل بناء علاقة تقوم على الاحترام والثقة والحدود الواضحة، بحيث يشعر المراهق أنه مُحاط بدعم حقيقي وقادر على التعبير والتطور.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *