التخطي إلى المحتوى

في ظل تصاعد الضغوط على الموارد المائية خلال السنوات الأخيرة، تتجه مصر إلى توظيف حلول متكاملة تعالج جذور المشكلة لا مجرد آثارها. ومن أبرز هذه الحلول التوسع في مشروعات معالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها، باعتبارها مصدرًا إضافيًا آمنًا نسبيًا للاحتياجات الزراعية، إلى جانب تطبيق سياسات ترشيد للحد من الفاقد وتحسين كفاءة شبكات الري في الأراضي المختلفة.

تعتمد الفكرة الأساسية على تحويل جزء من مياه الصرف إلى مياه معالجة يمكن استخدامها في الري بدعم الاستصلاح والتوسع الزراعي. هذا لا يقتصر على توفير كميات جديدة للأراضي المزروعة فقط، بل يمتد إلى تعزيز استقرار الإمداد خلال مواسم الزراعة وتقليل الاعتماد على المياه العذبة في بعض الاستخدامات. كما تسهم هذه المشروعات في دفع خطط الدولة لرفع كفاءة الري، وتقليل التسرب والبخر والفواقد داخل المنظومة، ما ينعكس على إنتاجية المحاصيل واستدامة استخدامها للمياه.

أهمية محطات المعالجة الجديدة
وفي هذا الإطار، يبرز دور محطات المعالجة الجديدة بوصفها محورًا مهمًا ضمن استراتيجية تعظيم الاستفادة من الموارد المائية. فزيادة قدرات المعالجة تعني القدرة على تحويل كميات أكبر من مياه الصرف إلى موارد قابلة للاستخدام الزراعي، بما يدعم التوسع في الرقعة الزراعية للأراضي المستصلحة. ومع تزايد التحديات المرتبطة بندرة المياه، تصبح المعالجة وإعادة الاستخدام عنصرًا مؤثرًا في تحقيق توازن بين احتياجات الزراعة والقدرات المائية المتاحة.

دعم التوسع الزراعي وتنويع توزيع الموارد
تشير الخبرات العلمية في مجال الموارد المائية إلى أن إعادة استخدام المياه تساعد على إعادة توزيع الموارد بشكل أكثر كفاءة، وهو ما يتيح مرونة أكبر في تخطيط الزراعة. فحين تتوفر مصادر مائية معالجة بكميات منتظمة، يمكن توجيه جزء منها للأراضي التي تحتاج إلى دعم مائي، بما يساهم في تنويع التركيب المحصولي. كذلك تفتح هذه المرونة فرصًا لاستغلال الفوائض الزراعية بشكل أفضل، بما يعزز القدرة التنافسية في الأسواق ويساهم في دعم الصادرات.

7 مليارات متر مكعب فاقد في الترع الطينية.. والحل بتبطين الشبكات
من القضايا التي تؤثر مباشرة على كفاءة استخدام المياه داخل الزراعة، مشكلة الفاقد داخل الترع، خصوصًا الترع الطينية التي قد ترتفع فيها معدلات التسرب. وقد تم رصد أن حجم الفاقد قد يصل إلى نحو 7 مليارات متر مكعب خلال سنوات سابقة، ما يعني خسارة مباشرة لمورد مائي كان يمكن أن يدعم ري مساحات أكبر.

وبناءً على ذلك، تتجه الدولة إلى تنفيذ مشروعات لتبطين الترع ورفع كفاءة شبكة الري. وتستهدف هذه الخطوات تقليل التسرب أثناء انتقال المياه من مصادرها حتى وصولها للأراضي الزراعية، وتقليل الفاقد وتحسين انتظام توزيع المياه على مدار فترات الري، وهو ما يعزز استقرار الإنتاج ويقلل من تذبذب الإمداد للمزارعين.

نتائج ملموسة للمزارعين وتحسن سرعة الوصول للمياه
ومع تطبيق تبطين الترع ورفع كفاءة الشبكات، يلاحظ المزارعون تغيرًا في نمط الري؛ إذ تصبح المياه أكثر وصولًا للأراضي خلال فترة “المناوبة”، مع انخفاض معدلات البخر والفقد. وتنعكس هذه النتائج في تحسين كفاءة استخدام المياه، وتدريجيًا على الإنتاجية الزراعية، لأن انتظام الري يعد عاملًا مؤثرًا في نمو المحاصيل وتجنب الإجهاد المائي.

إدارة محصول الأرز وتنظيم المساحات وفق توازنات السوق والمياه
ضمن الحديث عن التركيب المحصولي، يحتل محصول الأرز مساحة مهمة في سياسات إدارة المياه في مصر. فالتعامل معه لا يرتبط فقط بالمساحات المزروعة، بل أيضًا بقدرة الدولة على تحقيق توازن بين احتياجات السوق المحلي والموارد المائية المتاحة. لذلك يتم العمل على تنظيم المساحات بما يتناسب مع الاستهلاك المحلي، بهدف ضمان استمرار تلبية احتياجات المواطنين مع مراعاة كفاءة استخدام المياه. ويُذكر أن الإنتاج السنوي يصل إلى قرابة 1.3 مليون طن للمساهمة في تلبية الطلب.

إدارة المياه أولوية في ظل تحولات إقليمية مثل سد النهضة واتفاقية عنتيبي
ترتبط قضية المياه في مصر بتطورات إقليمية تؤثر على السياسات المائية والاتفاقات المختلفة، ومن أبرزها التطورات المتعلقة بسد النهضة الإثيوبي، إلى جانب ما يرتبط باتفاقية عنتيبي. وفي ظل هذه الأوضاع، يصبح ترشيد المياه وإدارة التركيب المحصولي جزءًا من استراتيجية وطنية أوسع تهدف إلى تقليل المخاطر وزيادة المرونة.

وهنا تزداد أهمية التعامل بكفاءة أعلى مع الموارد المتاحة عبر محورين متكاملين: الأول تقليل الفاقد وتحسين شبكات الري، والثاني التوسع في معالجة وإعادة استخدام المياه واختيار المحاصيل وفق احتياجات الدولة وإمكاناتها المائية الفعلية.

إعادة استخدام المياه.. ركيزة لمنظومة متكاملة وليست إجراءً منفردًا
تؤكد الرؤية الحديثة أن مشروعات معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف تمثل ركيزة ضمن منظومة متكاملة تشمل تحسين كفاءة شبكات الري وتقليل الفاقد ورفع كفاءة استخدام المياه داخل المزارع. ومع تزايد أهمية الاستدامة، لا بد أن تترافق المعالجة مع تطوير طرق التوزيع ومتابعة الأداء بهدف ضمان وصول المياه المعالجة بجودة مناسبة وتطبيق نظم استخدام رشيد.

وبذلك، تظهر “كل قطرة بتفرق” كفكرة عملية وليست شعارًا فقط: فمن خلال تقليل فقد المياه في الترع، ورفع كفاءة الري، وتحويل مياه الصرف إلى مورد زراعي مستدام، يمكن دعم التوسع الزراعي وتقوية الإنتاج مع الحفاظ على أحد أهم الموارد الحيوية في مصر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *