التخطي إلى المحتوى

يؤكد أستاذ علم الاجتماع السياسي الدكتور محمد سيد أحمد أن قرار سلطات الاحتلال الإسرائيلي طرد عدد من ممثلي الدول الأوروبية من مركز التنسيق المدني والعسكري يعكس تصاعدًا في حدة تعامل حكومة بنيامين نتنياهو مع الانتقادات الدولية. ويفسر أحمد هذه الخطوة على أنها تحول في التعاطي مع المواقف الرافضة لسياسات تل أبيب من كونها قضايا دبلوماسية قابلة للنقاش إلى اعتبارها “خصومة سياسية”، بما يضيّق مساحات الحوار ويزيد من تعقيد المشهد أمام الفاعلين الدوليين.

## تحوّل الخطاب الدولي تجاه القضية الفلسطينية
يشير أحمد إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا ملحوظًا في طبيعة الخطاب الدولي تجاه القضية الفلسطينية. فمن جهة، تراجع نسبي لقدرة الرواية الإسرائيلية على التأثير في ظل اتساع نطاق التغطية الإعلامية وتزايد وصول المعلومات الموثوقة إلى الرأي العام العالمي. ومن جهة أخرى، يلاحظ أحمد ارتفاع مستوى الوعي العالمي بما يحدث في الأراضي الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من ضغوط سياسية وأخلاقية على حكومات داعمة للخط الإسرائيلي.

## تشدد حكومة الاحتلال في مواجهة الأصوات المعارضة
يوضح الدكتور محمد سيد أحمد أن هذا التحول انعكس على طريقة تعامل حكومة الاحتلال مع الدول والأطراف التي توجه انتقادات لممارساتها. ووفقًا لرؤيته، أصبحت إسرائيل أكثر تشددًا في مواجهة الأصوات المعارضة حتى عندما تصدر هذه المواقف من دول غربية كانت تاريخيًا ضمن دائرة الحلفاء والداعمين. ويربط ذلك بإصرار الحكومة الحالية—حسب وصفه—على المضي في مشروعها الاستيطاني والتوسعي رغم الضغوط والانتقادات المتزايدة.

وفي هذا السياق، يرى أحمد أن تل أبيب تبدو أقل اهتمامًا بتداعيات سياساتها على صورتها لدى المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، وهو ما يرفع من احتمالات تفاقم التوترات بين إسرائيل والجهات الراعية للمسارات السياسية.

## طرد الأوروبيين ومركز التنسيق: هل الالتزام فعلي أم شكلي؟
يتناول أحمد قرار طرد ممثلي عدد من الدول الأوروبية من مركز التنسيق الذي أنشأته الولايات المتحدة لمتابعة ترتيبات وقف إطلاق النار. ويعتبر أن الخطوة تفتح المجال لطرح تساؤلات حول مدى جدية حكومة الاحتلال في الالتزام بمسار التهدئة، خاصة في ظل استمرار التصعيد على الأرض رغم وجود اتفاق لوقف إطلاق النار تم التوصل إليه بوساطة ورعاية أمريكية.

وتزداد هذه التساؤلات، بحسب أحمد، لأن مركز التنسيق يمثل قناة عملية لإدارة التفاصيل المرتبطة بالتهدئة، بما في ذلك آليات المتابعة والتنسيق ومنع الانزلاق نحو مواجهات أوسع. لذلك فإن إقصاء أطراف أوروبية من هذا المسار قد ينعكس على ثقة هذه الدول في جدوى الاتفاق وفعالية آلياته.

## استمرار التحركات العسكرية يضع واشنطن أمام اختبار سياسي
يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي أن استمرار التحركات العسكرية والتصعيد في الوقت نفسه الذي يُفترض فيه تثبيت الهدنة يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار سياسي حقيقي. فواشنطن—وفقًا لتقييم أحمد—كانت صاحبة الدور الأساسي في رعاية الاتفاق، وبالتالي يصبح أي تعارض بين مخرجات الاتفاق وبين سلوك حكومة الاحتلال عاملًا يحمّل الولايات المتحدة مسؤولية سياسية أمام حلفائها ومؤسساتها.

كما يؤكد أن استمرار خطوات لا تنسجم مع مسار التهدئة يثير المخاوف من أن الاتفاق قد يتحول إلى “هدنة مؤقتة هشّة” بدلاً من أن تكون بداية لتهدئة مستدامة. ويضيف أن التبعات لا تقتصر على مستوى الميدان، بل تمتد إلى شرعية الرعاية الدولية للاتفاق وقدرة الأطراف الدولية على إدارة تداعياته.

## فجوة متزايدة بين المساعي الدولية وتوجهات حكومة نتنياهو
في المحصلة، يعكس المشهد—بحسب الدكتور محمد سيد أحمد—فجوة متزايدة بين مساعي دولية لاحتواء التصعيد وبين توجهات حكومة نتنياهو على الأرض. وتؤكد هذه الفجوة أن مستقبل الهدنة وقدرة الأطراف الدولية على تثبيتها سيظلان محل اختبار خلال الفترة المقبلة.

ومن شأن هذا التعقيد أن ينعكس على احتمالات: استمرار المسار التفاوضي، وتطور العلاقات بين إسرائيل وبعض الحلفاء الغربيين، واتساع مساحة الانتقاد الدولي. وفي ظل ذلك، يصبح أي خرق متجدد للتهدئة عاملًا ضاغطًا على مراكز الضغط السياسية والدبلوماسية، وعلى رأسها المسار الأمريكي، وعلى قدرة المجتمع الدولي على تحويل وقف إطلاق النار من اتفاق ورقي إلى واقع قابل للاستمرار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *