التخطي إلى المحتوى

أكد الشيخ عبد القادر الطويل، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن التفكير وإعمال العقل ركيزة أصيلة في الإسلام، وليسا مجرد ممارسة ذهنية أو ترفًا فكريًا. فالإسلام يربط بين سلامة الإنسان وقوة المجتمع وبين القدرة على التفكير السليم، بوصفه طريقًا لفهم الواقع واكتشاف الحقيقة وصناعة الحضارة.

العقل في الإسلام من الكليات الخمس

وأوضح الشيخ الطويل خلال برنامج صباح الخير يا مصر أن العقل يأتي ضمن الكليات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية للمحافظة عليها، إلى جانب الدين والنفس والمال والعِرض. وبيّن أن إدراج العقل ضمن هذه الأصول يؤكد أن الإسلام لا ينظر إلى التفكير بوصفه أمرًا هامشيًا، بل يراه جزءًا من بناء الإنسان المتوازن، وتنظيم حياته على أساس من الفهم والوعي.

وأضاف أن القرآن الكريم حث على التفكر والتدبر والنظر في خلق الكون، بما يدفع الإنسان إلى التعلم واكتساب الرؤية والتأمل. كما شدد على أن الإنسان إذا أهمل استخدام عقله فقد عطّل نعمة كبيرة أنعم الله بها عليه، وابتعد عن وظيفة التفكير التي أرادها الشرع.

إيمان قائم على الفهم لا على التقليد الأعمى

وبيّن عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية أن التفكير والتدبر يعينان الإنسان على الوصول إلى قناعة حقيقية، لأن الإيمان حين يقوم على الفهم يكون أكثر رسوخًا واستقرارًا. وأكد أن المطلوب ليس مجرد ترديد ما ورثه الإنسان من بيئته أو تقليد ما وجد عليه آباءه وأجداده، بل أن ينظر ويمحص ويسأل ويبحث عن المعنى.

وأشار إلى أن القرآن الكريم ذم اتباع الآباء والأجداد دون تفكير أو تدبر، داعيًا إلى أن يكون العقل حاضرًا في رحلة فهم الدين، وأن يسعى الإنسان لتكوين تصور واضح عن الحقائق، وفقًا لما يستطيع إدراكه وبما يناسب قدراته.

حدود التفكير: لا حكم قبل علم

وأوضح الشيخ الطويل أن التفكير له ضوابط، أهمها: امتلاك الأدوات العلمية والمعرفية قبل إصدار الأحكام، أو الخوض في مسائل لا يملك الشخص تخصصًا دقيقًا فيها. فليس كل سؤال يعني القدرة على الإجابة، وليس كل رأي يصلح لأن يكون حكمًا.

وشدد على أن التفكير السليم لا يقتضي تزييف المعرفة أو التسرع في تعميم النتائج، وإنما يتطلب التعلم أولًا، ثم توظيف ما تم تعلمه في التحليل والاستنتاج. فالدراسة المنهجية، والبحث عن المراجع الموثوقة، واكتساب مهارات السؤال والحجة، كلها عناصر تساعد على التفكير والابتكار دون الوقوع في الخطأ أو الجهل المركب.

كما أضاف أن التفكير لا يتعارض مع التمسك بالثوابت، لكنه يوجّه الإنسان إلى فهم النصوص والمقاصد والأحكام ضمن سياقها الصحيح، بعيدًا عن سوء الفهم أو نقل الكلام دون تحقق.

أسئلة الأطفال.. كيف نجاوب دون محو روح الاستطلاع؟

وعن تعامل الآباء والأمهات مع أسئلة الأطفال، أوضح الشيخ عبد القادر الطويل أن الطفل قد يطرح أسئلة تتجاوز ما يعرفه والديه، خصوصًا عندما تكون الأسئلة متعلقة بالغيب أو العلوم الدقيقة أو الموضوعات المتخصصة. وهنا شدد على أهمية الصراحة التربوية: فإذا لم يكن لدى الوالدين جواب، فينبغي أن يقولوا للطفل إنهما لا يملكان معلومات كافية، وأن يبحثا معًا عن الإجابة المناسبة.

واقترح أن تتجه الأسرة إلى المختصين أو مصادر موثوقة تراعي عمر الطفل وقدرته على الفهم. فالمهم ليس أن تكون الإجابة فورية في كل مرة، بل أن تتاح للطفل فرصة رؤية كيف يبحث الإنسان عن المعرفة ويضعها في نصابها.

لا تمنعوا الأسئلة.. «الأسئلة شعلة»

وحذّر عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية من إطفاء رغبة الطفل في المعرفة عبر الرفض الدائم أو توبيخه أو منعه من السؤال. وأكد أن كثرة أسئلة الطفل قد تكون إشارة إلى طاقة عقلية وفضول معرفي واعد، وأن أسلوب التربية هنا يصنع المستقبل؛ فإذا شعر الطفل أن السؤال ممنوع، قد يتراجع عن البحث والاستكشاف.

وأكد أن المطلوب هو التشجيع: أن يُستقبل السؤال باهتمام، وأن يُدار الحوار بأسلوب يناسب السن، وأن يُطلب من الطفل أحيانًا أن يعبّر عن فكرته قبل أن تُقدّم له الإجابة، بما ينمّي التفكير ويقوي القدرة على الاستنتاج.

دعم الأسرة عبر مركز الأزهر للأسئلة الفكرية والدينية

وأشار الشيخ إلى إمكانية الاستعانة بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية في الإجابة عن الأسئلة الفكرية والدينية التي يصعب على الأسرة التعامل معها. وأوضح أن المركز يتيح التواصل الهاتفي مع المتخصصين، مع تخصيص مسار للأسئلة الفكرية والأديان.

وأكد المركز رسميًا أن رقم التواصل من داخل مصر هو 19906.

بناء جيل يفكر: من الأسرة إلى المدرسة والمجتمع

وختم الشيخ عبد القادر الطويل بأن تربية الأبناء على التفكير وإعمال العقل تبدأ من الأسرة، لكنها لا تقف عندها؛ إذ تمتد إلى المدرسة عبر المناهج وأساليب التعليم، وإلى المجتمع عبر بيئة الحوار والثقافة العامة واحترام السؤال والمناقشة. فبناء الإنسان القادر على التفكير والابتكار يمثل أساسًا مهمًا في تقدم أي مجتمع، لأن التفكير السليم هو الطريق إلى حل المشكلات وصنع حلول جديدة وتطوير المستقبل.

وبذلك، يكون إعمال العقل في الإسلام ممارسة حضارية وأخلاقية في آنٍ واحد: تطلب العلم، وتزن الكلام بالمعرفة، وتفتح باب الفهم، وتحمي الإنسان من الجهل والتسرع، وتغذي الإيمان بالفهم والاقتناع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *