في خضم الجدل المتكرر حول ملف دعم المواد البترولية وتأثيره في الاقتصاد المصري، كشف المهندس سامح فهمي، وزير البترول الأسبق، تفاصيل اجتماع عُقد في أكتوبر 2010، تناول سيناريوهات التعامل مع الزيادة الكبيرة في تكلفة الدعم، وما إذا كانت هناك توجهات لرفع أسعار المنتجات البترولية بشكل تدريجي قبل عام 2011.
وبحسب فهمي، فقد سأله الرئيس الأسبق حسني مبارك خلال الاجتماع سؤالًا مباشرًا عن قدرة وزارة البترول على تحمل أعباء الدعم، حيث أوضح أن مبارك قال له حرفيًا: «تقدر تستحمل قد إيه يا سامح.. تتحمل الدعم؟»، في إشارة إلى حجم العبء المالي الذي كانت تتحمله الدولة والوزارة جراء استمرار تقديم الدعم للوقود والمنتجات البترولية.
تجدر الإشارة إلى أن فهمي أكد أن وزارة البترول كانت تتحمل آنذاك دعمًا يُقدَّر بنحو 12 مليار دولار، بما يعادل قرابة 60 مليار جنيه وفق أسعار الصرف في ذلك الوقت. وأضاف أن تحمل جزء من هذه التكلفة كان يتم أيضًا من خلال أرباح قطاع البترول، بهدف ضمان استمرار طرح المواد البترولية للمواطنين بالأسعار المدعومة رغم ارتفاع تكلفة الاستيراد والإنتاج.
وأوضح سامح فهمي أن فكرة تحريك أسعار المواد البترولية تدريجيًا كانت مطروحة خلال تلك الفترة، وأنه كُلِّف من الدكتور أحمد نظيف، رئيس مجلس الوزراء وقتها، بإعداد سيناريوهات بديلة تتضمن إمكانية رفع الأسعار تدريجيًا بدلًا من اتخاذ قرار مفاجئ. وأكد أن التصور الذي أعده تم تقديمه خلال الاجتماع الذي ضم الرئيس وعددًا من المسؤولين المعنيين، حيث تم بحث حدود التحمل المالي والاجتماعي لخطوات محتملة لتخفيف الدعم.
وأشار وزير البترول الأسبق إلى أن التعامل مع ملف الدعم يتطلب حسابات دقيقة، لأن أي زيادة في أسعار الوقود لا تقتصر آثارها على قطاع الطاقة فقط، بل تمتد إلى تكاليف النقل والإنتاج وأسعار سلع وخدمات متعددة. ولذلك كان الاتجاه داخل النقاش يدور حول ضرورة “التخفيف التدريجي” مع مراعاة آثار الزيادة على المعيشة.
وفي هذا السياق، شدد سامح فهمي على أن أي مسار لرفع الدعم أو تقليصه يجب أن يكون مصحوبًا بحلول تحمي المواطنين، وأوضح أن من أبرز هذه الإجراءات زيادة الأجور بما يتناسب مع الارتفاعات الجديدة، إضافة إلى سياسات داعمة تقلل مخاطر انتقال أعباء الدعم إلى المستهلك بشكل مباشر.
كما كشف فهمي أن الرئيس حسني مبارك انتهى في نهاية المناقشات إلى اتجاه بالإبقاء على الأسعار وعدم المضي في زيادة أسعار المواد البترولية في ذلك التوقيت. ومن أبرز الأمثلة التي أشار إليها أن مبارك شدد على استمرار سعر أسطوانة البوتاجاز عند 2.5 جنيه، رغم حجم الدعم الذي كانت تتحمله الدولة.
وعزا وزير البترول الأسبق قرار الإبقاء على الأسعار إلى اختلاف الظروف الاقتصادية وقتها، لافتًا إلى أن سعر الدولار كان يدور حول 5 جنيهات، وهو ما جعل تكلفة الدعم تحملًا كبيرًا لكنها لا تتخذ نفس الشكل الحاد الذي شهدته لاحقًا. وأكد أن ما حدث يعكس طبيعة التحدي الذي واجهته الدولة في إدارة دعم الطاقة بين ضرورة تقليص العبء المالي، وبين الحفاظ على استقرار الأسعار ومنع تحميل المواطنين تكاليف إضافية تفوق قدرتهم.
وبإضافة ما سبق، يُبرز هذا الطرح أن تصميم سياسات دعم الوقود لا يعتمد على جانب مالي فقط، بل يرتبط أيضًا بقدرة الدولة على تنفيذ شبكة حماية اجتماعية فعالة، وبالتوازن بين أهداف الاقتصاد الكلي مثل ضبط عجز الموازنة، وأهداف العدالة الاجتماعية مثل الحد من أثر أي تحرير جزئي أو تدريجي في الأسعار على الفئات الأكثر احتياجًا.

التعليقات