أثارت الأحاديث المتداولة حول ظهور قدرات خارقة أو كرامات لدى بعض البشر جدلًا واسعًا: هل هذه الظواهر دليل صلاحٍ لصاحبها؟ وما الفرق بين الكرامة التي تقع للأولياء وبين القدرة الاستثنائية التي قد تكون موهبة أو أمرًا غير مرتبط بالولاية؟
في هذا السياق، أوضح الشيخ عمرو الليثي أن الله سبحانه وتعالى قد يهب بعض عباده أمورًا استثنائية، وذكرت نصوص الكتاب والسنة شواهد على ذلك، مع التأكيد على ضرورة التعامل مع هذه القضايا بميزان العلم والشرع لا بالمظاهر وحدها.
الله قد يختار بعض عباده بقدرات غير معتادة
بيّن الشيخ عمرو الليثي أن الله اصطفى من عباده من يخصّهم بقدرات ليست شائعة عند غيرهم، وأن ظهور أمر غير عادي لا يخضع بالضرورة لكون الشخص مسلمًا أو غير مسلم؛ فقد تقع بعض النعم والقدرات الاستثنائية في الناس جميعًا وفق علم الله وحكمته.
كما شدد على أن وجود قدرة غير عادية لدى شخص ما لا يعني تلقائيًا أنه من الأولياء أو أن منزلته عند الله ثابتة، لأن الحكم على القلوب والنيات والولاية لا يكون من خلال الظاهر وحده.
أمثلة من السنة: أبو مسلم الخولاني والخروج من النار
استشهد الشيخ بما ورد من قصص في زمن الصحابة، ومن ذلك قصة أبي مسلم الخولاني في عهد سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين أُسر ووُضع في النار، فخرج منها دون أن تلحقه آثار الحريق.
وبحسب الرواية، فقد عبّر سيدنا عمر عن دهشته وتعظيمه لأمر الله بقوله: «الحمد لله الذي أراني في أمة محمد من يحاكي سيرة الأنبياء»، بما يشير إلى أن مثل هذه الوقائع تُعد من الشواهد التي يستدل بها على كرامات بعض عباد الله.
أهل السنة يؤمنون بكرامات الأولياء
أكد الشيخ أن أهل السنة يؤمنون بوجود كرامات للأولياء، وأن الله قد يخصّ بعض عباده بإظهار خوارق أو أمور غير مألوفة تأييدًا للحق أو إظهارًا لقدرته.
غير أن الإيمان بهذه الكرامات لا يعني الذهاب إلى التعميم؛ إذ يجب التمييز بين الكرامات الثابتة وبين الأمور التي قد تكون مجرد قدرات بشرية أو وقائع لا تدل على صلاحٍ مخصوص.
قدرات خارقة لا تساوي بالضرورة كرامة
تابع الشيخ عمرو الليثي أن بعض الناس قد يظهر لديهم قدر خارق، لكن ذلك قد يكون نعمة من الله أو قدرة استثنائية، ولا يلزم أن يكون دليل ولاية. فقد توجد أحيانًا لدى المسلم كما قد توجد عند غيره، وبالتالي لا يصح اتخاذ القدرة معيارًا وحيدًا للحكم على الصلاح.
وأضاف أن الحكم الشرعي يحتاج إلى قرائن واضحة: هل توافق هذه الظاهرة أصول الدين ولا تصطدم بالكتاب والسنة؟ وهل صاحبها معروف بالاستقامة والاتباع؟ أم أنها مصحوبة ببدع أو مخالفة أو ادعاءات باطلة؟
أخبار عن قدرات بدنية وردت في صحيح مسلم
وللتأكيد على اختلاف أنواع الاستثناءات بين البشر، أشار الشيخ إلى روايات في صحيح مسلم تتحدث عن أشخاص امتلكوا قدرات بدنية مميزة، ومنهم من كان يستطيع أن يسبق الخيل في الجري. وقد تبدو هذه الأخبار عند بعض الناس غير قابلة للتصديق، لكنها تظل منسجمة مع تفاوت الإمكانات التي فطر الله الناس عليها.
ومن هنا يتضح أن التفوق أو القدرة قد تكون فطرية أو مكتسبة، وقد لا يكون لها بالضرورة علاقة مباشرة بالكرامة الشرعية.
ابن الأكوع مثال على تفاوت القدرات
كما أورد الشيخ مثال ابن الأكوع، مشيرًا إلى أنه كان شديد السرعة، وأن هذه القوة الجسدية وميزة الجري كانت ظاهرة قبل الإسلام وبعده أيضًا. وأكد أن ذلك يدخل في باب النعم التي يمنحها الله لبعض عباده، ضمن تفاوت القدرات بين الناس.
هل كل من يطير في الهواء وليّ؟
طرح الشيخ سؤالًا جوهريًا: هل كل من تظهر منه خارقة يكون وليًا؟ وأجاب بأن معيار الولاية لا يُستفاد من مجرد امتلاك القدرة الخارقة. واستشهد بحديث معناه: أنه إن رأى الناس الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا يغتروا حتى يُعرض أمره على الكتاب والسنة.
فليس المطلوب تعظيم الظواهر بذاتها، بل فحص حال صاحبها: صلاحه، علمه، استقامته، التزامه، وبعده عن البدع أو الظلم. فقد تقع الكرامة عند رجل صالح فتكون علامة خير، وقد تُظهر بعض الوقائع عند غير الصالح أو في سياقات أخرى لا تعني ولاية.
أهل الكهف: استثناء وبيان لقدرة الله
واستشهد الشيخ بقصة أهل الكهف، مبينًا أن أصحاب القصة ليسوا أنبياء، لكنهم من الأولياء، وأن ما وقع لهم كان أمرًا استثنائيًا لم يتكرر على النمط ذاته.
الخلاصة: علامة القدرة دليلٌ على قدرة الله، لكن الحكم على الأشخاص يحتاج معيارًا شرعيًا
في ختام حديثه، شدد الشيخ عمرو الليثي على أن القدرات الخارقة والكرامات من الأمور التي تُظهر قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه سبحانه قادر على كل شيء. ومع ذلك، فإن التعامل مع هذه الظواهر لا يكون بالانبهار العاجل، بل بالرجوع إلى الكتاب والسنة، وبالنظر إلى صلاح صاحب الظاهرة واتباعه للحق، لتمييز الكرامة الثابتة عن غيرها من الاستثناءات أو النعم التي لا تفيد وحدها الحكم على الولاية.

التعليقات