التخطي إلى المحتوى

في لحظات التحدي والمواقف التي تتطلب مجهودًا بدنيًا كبيرًا، يمرّ كثيرون بتغيّر ملحوظ في الإحساس بالألم؛ فقد يشعر الإنسان بطاقة أعلى وقدرة أكبر على الاستمرار، بينما يتراجع التركيز على الألم أو يبدو أقل حدّة. وتطرح هذه المفارقة سؤالًا مهمًا: لماذا يبدو الألم “أخف” عندما يكون الشخص في وضعية تنافسية أو هدف محدد؟

ويشرح استشاري الصحة النفسية الدكتور وليد هندي أن داخل الدماغ آليات طبيعية تساعد الإنسان على مواجهة الألم وتحمل الضغط، خصوصًا عندما يكون هناك سبب قوي للاستمرار. فبدلًا من أن يظل الألم هو المحور الأساسي، يبدأ الدماغ بتنظيم الاستجابة عبر منظومة من الإشارات والمواد التي قد تخفف الإحساس بالألم وتدعم القدرة على الإنجاز.

## المخ “معمل طبيعي” لتسكين الألم
يشير الدكتور وليد هندي إلى أن مخ الإنسان يملك آلية تشبه “المعمل” لإفراز مواد مسكنة للألم بشكل طبيعي. ولفت إلى أن بعض الأشخاص ممن يعانون من حالات أو مشكلات جسدية قد يلاحظون اختفاءً مؤقتًا أو انخفاضًا في الإحساس بالألم عند الدخول في مجهود شاق أو نشاط يتطلب تركيزًا عاليًا.

وأوضح أن الدماغ يفرز موادًا طبيعية مسكنة تساعد على تخفيف آلام الجسم والأعراض المرتبطة ببعض أعضائه، ويزداد تأثير هذا الإفراز في سياقات محددة مثل بذل الجهد تحت ضغط واضح أو عندما يكون هناك حمل أوزان ثقيلة أو مهمة صعبة.

كما ذكر أن مخ الإنسان قد يفرز نسبة من “المواد المخدّرة الطبيعية” في وقت التحدي، وأن هذه الاستجابات قد ترتبط كذلك بعوامل صحية وسلوكية مثل الصيام، حيث يتأثر الجسم والدماغ بطريقة التعامل مع الضغط والطاقة.

## لماذا يجعل التحدي الإنسان أقوى؟
لا يتوقف الأمر عند الجانب العصبي فقط؛ فالعامل النفسي يلعب دورًا محوريًا في قدرة الإنسان على التحمل. يؤكد الدكتور هندي أن دخول الشخص في تحدٍ—سواء ضد النفس أو أمام منافس—قد يدفعه إلى تجاوز مستوى قدراته المعتادة.

وتعمل الحالة النفسية على تعديل طريقة تقدير الإنسان للألم وتقييمه للقدرة على الاستمرار. ففي لحظة التحدي غالبًا ما يقوم الدماغ بتشكيل “خطة داخلية” أو سيناريو سريع: ماذا سيحدث؟ ما المطلوب؟ وكيف يمكن تجاوز العائق؟ بعدها يتحول هذا السيناريو إلى تنفيذ على أرض الواقع، مما يساعد الشخص على تخطي الحدود التي كان يظن أنه لا يستطيع تجاوزها.

## التحفيز والتشجيع يرفعان الأداء
يوضح الدكتور وليد هندي أن التحفيز والتشجيع قد يفرزان تأثيرًا مباشرًا على الأداء، حيث قد يقدم الشخص مستوى مختلفًا عند الشعور بأنه أمام تحدٍ أو منافسة. فحين يشعر الإنسان بأن هناك دعمًا أو هدفًا واضحًا أو تقديرًا متوقعًا، يصبح الدماغ أكثر استعدادًا لتفعيل استراتيجيات تحمل الألم والضغط.

وقد يظهر ذلك في مواقف عديدة مثل الرياضات الفردية أو الجماعية، عند تقديم أداء أمام جمهور، أو حتى في تحديات العمل والدراسة عندما تكون النتيجة مرتبطة بدافعية قوية.

## العقل والحالة النفسية تصنع الفارق
تتأثر استجابة الإنسان للمجهود والألم بشكل كبير بالحالة العقلية: هل الهدف واضح؟ هل يوجد تركيز وإصرار؟ هل يشعر الشخص بالقدرة على الإنجاز؟ كل هذه الأسئلة تحكم طريقة تفاعل الجسم مع الألم.

ومع ارتفاع التركيز، تقل مساحة التفكير السلبي المرتبط بالألم، ويزداد الانخراط في المهمة، ما يخلق حالة أقرب إلى “الاندماج” التي قد تجعل الإحساس بالألم أقل حضورًا. كذلك، فإن التوتر قد يتحول إلى طاقة إن كان تحت إدارة نفسية صحيحة، بدل أن يكون عاملًا يفاقم الألم.

## معلومات إضافية تساعد على فهم الظاهرة
لزيادة فهم هذه الآلية، يمكن النظر إلى أن الدماغ لا يعالج الألم بمعزل عن السياق. فالتحدي غالبًا يرافقه:
– **رفع الدافعية**: الهدف يجعل تحمل الألم أكثر قابلية.
– **توجيه الانتباه**: التركيز على الأداء يقلل من مراقبة الألم.
– **تنظيم الاستجابة للضغط**: قد يرفع الجسم جاهزيته عبر تغيّرات هرمونية وفسيولوجية.
– **تعزيز الشعور بالسيطرة**: عندما يعتقد الشخص أنه قادر، يصبح الألم أقل تعطيلًا.

## خلاصة
المفاجأة ليست أن الألم يختفي دائمًا، بل أن الدماغ—وفقًا للدكتور وليد هندي—يملك قدرة على تعديل الاستجابة عبر إفراز مواد مسكنة طبيعية، إضافة إلى أن الحالة النفسية ودخول الإنسان في تحدٍ قد يرفعان التحمل ويجعلان الألم أقل تأثيرًا مؤقتًا.

إذا كنت تمر بمواقف تنافسية أو تتعرض لضغوط بدنية، فربما يكون دماغك بالفعل في وضع “تصحيح المسار” ليحمي القدرة على الاستمرار عبر آليات عصبية ونفسية معًا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *