أكد الإعلامي مصطفى بكري أن ما يشهده العالم الافتراضي، لا سيما مواقع التواصل الاجتماعي، من حفلات صاخبة وما قد يصاحبها أحيانًا من مشاهد وإطلالات لا تتماشى مع قيم المجتمع وصورته، يثير تساؤلات جوهرية حول دور الفن وحدوده ومسؤوليته تجاه الجمهور. وأوضح أن القضية ليست في الفن ذاته، بل في نوعية المحتوى وكيفية تقديمه، وما إذا كان يساهم في الارتقاء بالذائقة العامة أم يجرّها إلى ما يتجاوز معايير الاحترام واللياقة.
وخلال تقديمه برنامج “حقائق وأسرار” عبر فضائية “صدى البلد”، أشار بكري إلى أن مصر بعد نكسة عام 1967 كانت تعيش مرحلة دقيقة تتطلب إعادة بناء الثقة وتطوير القوات المسلحة، وفي هذا السياق ظهر الدور المؤثر لما يُعرف بـ”القوى الناعمة”، وفي مقدمتها كوكب الشرق أم كلثوم. ولفت إلى أن أم كلثوم لم تكن مجرد فنانة تقدم حفلات وأغاني، بل سخرت فنها لتكون جزءًا من مشروع وطني أكبر، عبر دعم المعنويات ورفع الروح المعنوية للمجتمع، بما يتماشى مع احتياجات المرحلة.
وشدد الإعلامي على أن أم كلثوم حوّلت شهرتها إلى قيمة فعلية تخدم الوطن، ونجحت من خلال حفلاتها في تجميع موارد مالية كبيرة لدعم المجهود الحربي، لتصبح بذلك مثالًا للفنان الذي يتجاوز حدود المسرح ويقترب من وجدان الناس وذاكرتهم الوطنية. واعتبر بكري أن الفن في جوهره قادر على التأثير العميق، سواء بالنهوض بالمشاعر وبناء الهوية، أو بإضعاف الذائقة والقيم إذا غابت الضوابط.
## الفن اليوم: أين القيمة؟
طرح بكري سؤالًا مباشرًا: أين “القيمة الحقيقية للفن اليوم”؟ موضحًا أنه يلاحظ في بعض الأعمال الغنائية أو المحتوى المتداول على المنصات الرقمية وجود كلمات وألفاظ يرى أنها تخجل الألسنة أو لا تليق بمخاطبة الجمهور، فضلًا عن مشاهد وإطلالات تخطت، في رأيه، حدود الذوق العام. وبيّن أن ما يُعرض في بعض الحفلات قد يتحول إلى “استعراض” على حساب الرسالة، بحيث يصبح الهدف جذب الانتباه بأي وسيلة بدلًا من تقديم معنى فني وثقافي.
ورأى أن التطور التكنولوجي وسهولة الانتشار عبر وسائل التواصل الاجتماعي جعلا المحتوى يصل إلى شرائح مختلفة من المجتمع بسرعة، بما يستلزم مسؤولية أكبر لدى المنتجين والملحنين والمغنين والمؤثرين، إضافة إلى ضرورة وعي الجمهور بما يستهلكه. فكلما زادت سرعة التداول، زادت الحاجة لرقابة مجتمعية وأخلاقية تضمن ألا يتحول الفن إلى أداة لاستنساخ مشاهد لا تخدم القيم العامة.
## التوازن المطلوب بين الحرية والاحترام
وفي إطار طرحه للفكرة، شدد بكري على أن احترام المجتمع لا يعني إلغاء الإبداع، وإنما توجيهه نحو ما يليق به ويضيف له. فالفن—برأيه—يمكن أن يكون حرًا وملهمًا في الوقت ذاته، عبر الالتزام بما يحفظ الذوق العام ويحمي المعنى من الابتذال، مع ضرورة أن تحمل الأغنية رسالة إنسانية أو وطنية أو جمالية واضحة. كما دعا ضمنيًا إلى تعزيز الأعمال التي تقدم قيَمًا إيجابية، وتستند إلى تاريخ الفن المصري العريق الذي صنع مكانته عبر تأثيره الثقافي والوجداني.
## إضافة معرفية: لماذا تهم “القيم” في صناعة الفن؟
تزداد أهمية الحديث عن الذوق العام ومسؤولية المحتوى في ظل تغير طبيعة الاستهلاك الفني؛ إذ أصبح كثير من الناس يتابعون الأغاني عبر مقاطع قصيرة و”لايف” وانتشار سريع، ما قد يدفع بعض المنتجين للاعتماد على عناصر صادمة أو مستفزة لجذب المشاهدات. ومع ذلك، فإن للفن دورًا تربويًا غير مباشر: فهو يساهم في تشكيل الوعي، وتحديد ما يعتبره الجمهور “مقبولًا”، ويؤثر في لغة الشباب واتجاهاتهم تجاه الحياة والعلاقات والمشاعر.
وبالعودة إلى التجربة التاريخية لأم كلثوم، تظهر قيمة نموذج الفنان الذي يوظف شهرته لصالح المجتمع والوطن. فحين يرتبط الفن بقضية وطنية أو قيمة أخلاقية، يتحول إلى مصدر قوة معنوية واستمرارية في ذاكرة الناس. أما حين ينفصل الفن عن رسالته ويصبح رهين الاستعراض، تتراجع قيمته ويقل تأثيره الإيجابي.
وفي النهاية، أكد بكري أن موقفه ليس ضد الفن، وإنما ضد المضمون الذي لا يراعي الذوق العام، وضد الكلمات والمشاهد التي يرى أنها لا تتناسب مع صورة مصر وقيم المجتمع. كما دعا إلى إعادة الاعتبار لدور الفن كمحرّك للوعي والجمال والمعنى، على خطى نموذج أم كلثوم الذي جمع بين الإبداع والالتزام الوطني.

التعليقات